هبة عبد الوهاب تكتب: أزمة لائحة
إن وجود ثغرات في إدارة جوائز الدولة جعل الغموض سيد المشهد، ووصم المؤسسات بأنها بيئة خصبة للفساد، حيث ساد الشك والتشكيك في كل شيء.
فلم تعد أزمة جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية هذا العام 2026 مجرد خلاف حول اسم فائز أو اعتراض فردي على نتيجة مسابقة، وإنما ازداد الأمر تعقيدًا وخطورة.
فتحت نتائج جوائز الدولة هذا العام الباب أمام سؤال قديم يتجدد حول كيفية إدارة جوائز الدولة، ومدى وضوح شروطها، وشفافية إجراءاتها، وإمكانية التحقق من أن الجائزة ذهبت فعلًا إلى الأكثر استحقاقًا أم لا!
حين يعلن المجلس الأعلى للثقافة أسماء الفائزين، ولا يمكن أن نعرف كيف وصلت اللجنة إلى هذه النتيجة، وما المعايير التفصيلية التي طبقتها، وكيف تمت المفاضلة بين المتنافسين، ولماذا استُبعد هذا واختير ذاك؟! ويسود الغموض والريبة المشهد، وتعلو الأصوات وتتزايد الاتهامات، والمطالبات بالاطلاع، والتدقيق، والشجب والرفض والتنديد… إلخ.
وفي عامنا هذا، أكد المجلس الأعلى للثقافة أن ملف إحدى الفائزات مر بالإجراءات المقررة، وأنها قدمت ستة أعمال، وأن لجنة متخصصة مكونة من 11 عضوًا فحصت الملف وأجازته قبل التصويت النهائي. وأصر المجلس على أن الإجراءات تمت، وأن اللجنة فحصت الملف، وأنه استوفى شروطه.
ولكن السؤال الذي يبقى مطروحًا أمام الرأي العام ليس فقط: هل فحصت اللجنة الملف؟ وماذا وجدت اللجنة في الملف؟ وهل تفسيرها لشروط الجائزة جاء دقيقًا؟ ولماذا اعتبرت الأعمال المقدمة مستوفية للشروط؟ وكيف تفوقت صاحبة الملف على بقية المتنافسين؟
والمئات من الأسئلة المنطقية، وغير المنطقية، وهذه ليست أسئلة تشكيك في شخص الفائزة، وإنما هي أسئلة تتعلق بسلامة النظام نفسه، وإثبات عدم فساده.
وتتفاقم الأزمة أيضًا بسبب اختفاء اللائحة التي لا يراها المتنافسون بوضوح، وتأتي المفارقة حين يؤكد الموقع الرسمي للمجلس، في أحد تصريحاته عن جوائز الدولة، أن الترشيحات لا تُحال إلى لجان الفحص إلا إذا كانت مستوفية جميع الشروط الشكلية.
لابد أن نعترف أن الإعلانات الرسمية ربما تنشر بعض الشروط وإجراءات التقدم، لكن الوصول إلى منظومة واضحة ومتكاملة تجمع اللائحة، وتوضح شروط كل جائزة، وتشرح آليات التقييم، وقواعد تضارب المصالح، وأنظمة المفاضلة، ليس أمرًا يسيرًا بالنسبة للمتقدم أو جمهور الوسط الثقافي المتابع.
هل الأعمال تعني كتبًا فقط؟ وهل يدخل البحث المنشور أو الدراسة المحكمة في تعريف الإنتاج؟ وهل العمل المشترك يُحتسب كاملًا أم جزئيًا؟ وهل هناك حد أدنى زمني للنشر؟
وألف «هل» و«هل»؟!
إذن؛ كيف تتعامل اللجنة مع الأعمال التي لا تحمل طبيعة واضحة؟
ومن يملك سلطة تفسير النص إذا كان غير منتمٍ إلى جنس أدبي واضح ووحيد؟
هل يملك المتقدم العادي الإجابات التي يحتاجها قبل أن يدخل المنافسة، أم يعرفها ويناقشها بعد أن تظهر الأزمة، كما هو الحال الآن في جائزة الدولة للتفوق هذا العام؟
من هنا تبدأ شبهة الفساد المؤسسي… وليس اتهام الأشخاص. أقول قولي هذا ولا أملك دليلًا يبرر اتهام شخص بعينه في هذا الفساد.
لكن هناك فرقًا بين إثبات واقعة فساد وبين الحديث عن بيئة إدارية يمكن أن تسمح بالشك، كأن تترك الأسئلة الكثيرة السابقة دون إجابات، فتنمو الشائعات التي تحوم حولها، وتصبح المؤسسة نفسها بيئة متهمة بالفساد..!
ربما يكون السبب عدم وضوح المعايير أو عدم إعلانها بصورة كافية، وعندما لا يمكننا نشر حيثيات الاختيار، وعندما لا يعرف المتنافس لماذا قُبل ملف وتم استبعاد آخر، وعندما لا توجد آلية واضحة وشفافة للاعتراض والمراجعة، فإن النتيجة الطبيعية هي أن يبدأ الناس في تفسير النتائج وفق العلاقات والانطباعات الشخصية. وهنا تصبح المشكلة أكبر من الأشخاص. ربما هي مشكلة نظام!!
يا قوم؛ الشفافية ليست أن تقول المؤسسة: لقد طبقنا أعلى معايير النزاهة. إنما الشفافية هي أن تمنح الوسط المعني بالشأن ما يكفي من المعلومات، ليتمكن من التحقق بنفسه من أن هذه المعايير تم تطبيقها بالفعل.
من أكثر العبارات التي تتكرر في الدفاع عن الجوائز؛ أن «اللجنة فحصت جميع الملفات»، وهذا جيد، لكنه لا يكفي وحده.
يا رفاق، جاء دور السؤال الأهم، وهو:
وما هو معيار اللجنة؟
إذا كانت لجنة مكونة من 11 أستاذًا ومتخصصًا قد فحصت ملفًا، فهذا في حد ذاته عنصر إيجابي، لكنه لا يمنع الحاجة إلى معرفة:
من هم أعضاء اللجنة؟ وما تخصصاتهم؟ وهل بينهم من تربطه علاقة مباشرة بأحد المتنافسين؟ وما هي معايير التقييم؟ وما الفارق بين الملفات؟ هل يوجد محضر يوضح أسباب هذا الاختيار؟
وهذه الأسئلة ليست رفاهية إدارية، وإنما هي جوهر النزاهة.
فجوائز الدولة ليست جائزة خاصة، ونحن لا نتحدث عن مسابقة تنظمها مؤسسة خاصة وتمنح جائزة من أموالها. نحن نتحدث عن جوائز دولة. والمجلس الأعلى للثقافة نفسه يصف جوائز الدولة بأنها من أرفع صور التقدير التي تمنحها الدولة المصرية للمبدعين والمفكرين والباحثين.
إذن، فإن قيمة الجائزة لا تكمن في المائة ألف جنيه أو الميدالية الفضية فقط، وإنما في الاعتراف الرسمي لمستحقيها، والاعتراف الرسمي يصنع مكانة علمية وأدبية وفنية، ويؤثر في السيرة الذاتية، وفي التاريخ الثقافي، وفي المؤسسات الأكاديمية، وفي الذاكرة الوطنية.
ولهذا فإن أي غموض في معايير منحها لا يظلم المتقدمين فقط، بل يضر بهيبة الجائزة نفسها، ويضع حول الفائز علامات الاستفهام والتعجب!
بعدما تحدثت مع الكثير من المتابعين والمعنيين بالشأن نفسه، تأكدت أن المشكلة ليست في هذه الدورة وحدها، أزمة التفوق 2026، وإنما الأزمة في المطالبة المشروعة بإعادة النظر في منظومة جوائز الدولة كلها.
فالمجلس ينظم عشرات الجوائز في الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية والقانون والاقتصاد وغيرها، وتختلف طبيعة الإنتاج من مجال إلى آخر. وتظهر الإعلانات الرسمية نفسها في العديد من الفروع والموضوعات، ويتبعها شروط التقدم غير الواضحة، وهذا التعقيد يجعل الحاجة إلى لائحة منشورة ومبسطة ومفصلة أكثر إلحاحًا، حتى تدرأ الشبهات التي تدور حول الجائزة.
وقطعًا لن يكون الحل في إلغاء اللجان، ولا في التشكيك في كل فائز، ولا في تحويل كل اعتراض إلى معركة شخصية.
ربما يكون الحل في إدارة الجائزة بطريقة تجعل الشك أصعب من التحقق.
لذا نطالب بنشر اللائحة الكاملة لأي جائزة، وليس مجرد إعلان مختصر، مع ضرورة نشر شروط الأهلية وشروط الإنتاج المقبول بطريقة لا تحتمل التأويل.
كذلك نطالب بإعلان أسماء لجان الفحص والتحكيم بعد انتهاء عملية التقييم، مع الإفصاح عن أي حالات تنحٍّ بسبب تضارب المصالح.
ويا حبذا لو تم نشر حيثيات مختصرة لكل فائز، تشرح لماذا فاز العمل أو صاحبه.
وصدقًا؛ ليس من المطلوب أن نصدق المجلس لمجرد أنه مؤسسة رسمية، ولا مطلوب أن ندين الفائز لمجرد أن هناك اعتراضًا عليه.
المطلوب هو ما يؤكد صدق النتائج وصدق المعايير، وشفافية المشهد.
أعطونا اللائحة، أعطونا المعايير، أعطونا حيثيات القرار، وقواعد تضارب المصالح.
إن أخطر ما في أزمة جوائز الدولة ليس أن يفوز شخص قد يختلف معه البعض، فالاختلاف في التقييم الفني والعلمي أمر طبيعي وعلى الجميع أن يقبله.
الأخطر هو أن يشعر الباحث أو الكاتب أو الفنان أن الطريق إلى الجائزة غير واضح، وأن القواعد يمكن تفسيرها بأكثر من طريقة، وأنه لا يستطيع معرفة سبب فوز منافسه أو سبب استبعاده، حتى لا يستطيع أن يصرخ قائلًا: من يملك مفاتيح الفوز؟!
وهنا سيصدقه الجميع.
وهذا سؤال لا ينبغي أن يُطرح أصلًا في دولة تريد أن تجعل الثقافة والعلم والإبداع جزءًا من مشروعها الوطني.
وكعادتي، أخيرًا؛
لا أريد أن تتحول جوائز الدولة إلى ساحة اتهامات، لكنني أيضًا لا أريد أن تتحول إلى مساحة مغلقة لا يعرف الجمهور والمتابعون فيها سوى اسم الفائز.
الجائزة العادلة ليست فقط التي تمنح لمن يستحق، وإنما التي يستطيع المجتمع أن يفهم لماذا استحق هذا الفوز.
ولذلك فإن أزمة جائزة التفوق 2026 ينبغي ألا تنتهي بسحب جائزة أو تأكيد فوز فقط، وربما هو ما يسعى إليه هذا الحراك الثقافي الذي اجتمع حول الجائزة وأسبابها وماهيتها منذ إعلان النتائج حتى الآن، واجتمع الصحفيون والكتاب اليوم لمناقشة الأمر.
ينبغي أن تنتهي الأزمة بإصلاح طريقة إدارة جوائز الدولة المصرية نفسها.
فالشفافية ليست إدانة للمؤسسة، بل حماية لها.
واللائحة الواضحة ليست تقييدًا للجنة، بل حماية لقرارها.
كما أن نشر الحيثيات ليس انتقاصًا من هيبة الجهة المانحة للجائزة، بل هو ما يمنح الجائزة هيبتها الحقيقية.
أما ترك المساحات الرمادية، وتعدد التفسيرات، وغياب الحيثيات، وعدم وضوح مسارات الاعتراض، فهو ما يخلق البيئة التي تزدهر فيها شبهة الفساد، حتى في غياب دليل قاطع على فساد شخص بعينه.
وهذا بالضبط ما يجب أن نمنعه.
إن وجود شبهة خلل مؤسسي في إدارة الجوائز يعد كارثة، كما أن الموقع الرسمي للمجلس نفسه يعلن وجود ضوابط شكلية وفحص للترشيحات قبل إحالتها إلى اللجان، ما يجعل المطالبة بنشر تلك الضوابط والحيثيات حجة أقوى من إطلاق اتهام عا



