حسين عبد العزيز يكتب: الإلحاد.. هل هو مشكلة ثقافية؟
بعيدًا عن فيلم الملحد، وقريبًا من جوهر القضية، نكتب هذا المقال: يمكنني أن أقولها وأنا مستريح الضمير، وبكل ثقة: إن سلاح الفن، المتمثل في السينما، يُعد من أقوى وأعظم الأسلحة في مواجهة الإلحاد والأفكار المتطرفة، وليس فقط الكتب أو الندوات التي تُعقد بين الحين والآخر. وهنا سوف أذكر رأيًا للشيخ محمد الغزالي في شأن انتشار الإلحاد ضمن متن المقال.
علينا أولًا أن نتفق على أنه لا توجد نظرة واحدة أو موحدة تجاه الإلحاد، لأنه لا توجد رؤية ثابتة ومشتركة بين الجميع لهذا الموضوع. فالنظر إلى الإلحاد يختلف من شخص إلى آخر، وكلٌّ ينظر إليه بحسب موقعه في الحياة وتجربته الخاصة.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فلا يمكنني أن أنسى أنني سمعت أحد الأشخاص يتفوه بكلام يفوق الكفر بمراحل، وذلك في قرية سندوب بالمنصورة منذ بضع سنوات، وكان هذا أحد الأسباب التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال.
المسلم إنسان له صفات معينة تميزه عن غيره من الناس، وهذه الصفات يعتز بها المسلم الحق الذي يؤمن بالله ورسوله محمد ﷺ، لأنه يعلم يقينًا أنه عندما ينتقل من الحياة الدنيا إلى الآخرة، سوف يُحاسب على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وما يندرج تحتها من عمل وطاعة واجتهاد، وخوف من الله، وحب لرسوله.
وقد أوضح لنا الرسول ﷺ أن المسلم لا يكذب، ولا يرتشي، ولا يغش، ولا يسرق، ولا يزني، ولا يضر جاره، ولا يتحايل عليه بمعسول الكلام.
والمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، والمسلم في هذا الزمان، الذي نحن فيه، يحمل على عاتقه مسؤولية توصيل الإسلام الصحيح، إسلام الرسول ﷺ، إلى من لم يسلم بعد؛ لأن غير المسلم يريد أن يرى بعينه من يطبق النظرية الإسلامية كما أنزلها الله، وكما مارسها الرسول ﷺ، لا كما فهمها بعض الناس أو شوهوها بسوء التطبيق.
فلو طُبّقت النظرية الإسلامية كما ينبغي، لكان المسلمون في الصفوف الأولى من التقدم الحضاري والإنساني، لكننا – للأسف – أصبحنا بتخلفنا حجر صد أمام انتشار الإسلام الحقيقي.
ومن أهم هذه العوائق: ضعف الإيمان بالدولة والانتماء الوطني.
فالإيمان بوجود دولة قوية عادلة يعني الكثير في نظر المسلم، لأن الإيمان بالوطن لا يتعارض مع الإيمان بالدين، بل يعززه. فالوطن خاص، والدين عام. أي أن الإيمان بالخاص يقود إلى الإيمان بالعام. الوطن يخص جماعة محددة من البشر، أما الإسلام فهو رسالة عامة للناس كافة.
أليس من حق الإنسان غير المسلم أن يصله الإسلام الصحيح؟ أليس من حقه أن يرى صورة الإسلام كما أرادها الله ورسوله؟
وهنا أجدني مضطرًا أن أفتح قوسًا كبيرًا لأذكر موقفًا رواه لي أستاذ اللغة الإنجليزية محمد حمزة، عندما عاد من زيارة إلى اسكتلندا.
قال: كنا عائدين بالقطار من قرية في الريف الاسكتلندي، وكان يجلس معنا رجل في أوائل الخمسينيات من عمره. لاحظت أنه كان ينصت إلينا، ثم سألنا:
– هل أنتم عرب؟
قلت: نعم.
قال: هل تعرف محمد؟
قلت: محمد؟!
قال: النبي محمد… إنني أقرأ كتابًا عنه الآن، وهو – في رأيي – أعظم شخصية على مر العصور.
قلت: نعم، أعرفه جيدًا.
فقال: سوف يحاسبكم الله لأنكم لم تنشروا تعاليمه في كل أنحاء العالم.
وعند نزوله قال: يا ليت كان عندنا شخصية كنبيكم.
فسألته: وماذا كنتم فاعلين؟
قال: كان العالم كله سيعرفه.
ثم ودعنا وانصرف.
هذا الموقف يذكرني برأي الإمام محمد الغزالي حين قال:
“إننا نحن قبل غيرنا العقبة الأولى أمام دين عظيم. إن انتشار الكفر في العالم يقع نصف أوزاره على متدينين بغّضوا الله إلى خلقه بسوء كلامهم أو بسوء صنعهم. إن المدافعين عن الإسلام لا ينقصهم الحماس والإخلاص غالبًا، وإنما ينقصهم عمق التجربة وحسن الفقه. إن النجاح الذي يلقاه أعداء الإسلام في تطويق حركاته لا يعود لذكائهم، قدر ما يعود لغبائنا.”
وهذا الرأي أقدمه إلى خطباء المساجد، ليعيدوا النظر في طريقة تعاملهم مع الناس ومع قضايا الحياة.
وهنا أتذكر أيضًا ما كتبه الدكتور سليمان إبراهيم العسكري، رئيس تحرير مجلة العربي، في مقاله الشهير “كوكب الشرق وانقراض العرب”، حين أشار إلى أن بعض من يُحسبون على الفكر الديني يسهمون – بقصد أو بجهل – في نشر ثقافة الجمود والتواكل والتوقف عن الإبداع، من خلال أفكار ترفض العلم والفنون والفلسفة والسياسة، وكأن الإسلام ضد الحياة، بينما الحقيقة أنه دين بناء ونهضة وعمران.
بل إن بعض خطباء المساجد قد يختزلون أسباب الهزيمة والانتصار في قضايا شكلية، كما حدث عندما قال أحدهم بعد بدء الحرب على غزة:
“إذا أردنا أن نهزم إسرائيل، فلابد أن يكون عدد المصلين في صلاة الفجر مثل عدد المصلين في صلاة الجمعة.”
ولا تعليق… لأنني مريض بالسكر، شفانا الله وإياكم من كل داء.
إننا لو أعدنا قراءة ما قاله الرجل الاسكتلندي، لوجدناه يتطابق تمامًا مع ما قاله الشيخ محمد الغزالي: أننا نحن السبب الأكبر في عدم إقبال العالم على الإسلام، حين نقدم صورة مشوهة عنه، أو نعيش بعيدًا عن جوهره الحقيقي.
فبدلًا من أن يكون المسلم قدوة، أصبح كثير من المسلمين مادة للجدل والخلاف والصراع، حتى دخلوا في دائرة مفرغة، لا نظرة فيها للمستقبل، ولا مشروع لحياة أفضل.
ولو قرأ العالم كله القرآن، وعرف السنة النبوية، فلن يتقدم الإسلام ما لم يجد نموذجًا حيًا يطبق هذه المبادئ على الأرض.
المطلوب من المسلمين هو تطبيق النظرية الإسلامية، لا الاكتفاء بالشعارات والانتماءات الشكلية.
لقد أصبح بعضهم – دون أن يشعر – حائط صد في وجه انتشار الإسلام، بسبب التخلف، وسوء الفهم، والانفصال بين الدين والحياة.
والأخطر من ذلك، أن البعض جعل الانتماء للدين في مواجهة الانتماء للوطن، وكأن حب الوطن يتناقض مع العقيدة، وهي فكرة مدمرة اجتهد البعض في ترسيخها.
ومن هنا كثر الحديث عن الإلحاد في مصر، لا لأنه مجرد تمرد فكري، بل لأنه في كثير من الأحيان رد فعل ثقافي على خطاب ديني مشوش، وعلى واقع اجتماعي فاقد للقدوة والعدالة والرحمة.
ومن هذا كله نصل إلى نتيجة واضحة:
الإلحاد في جوهره مشكلة ثقافية… وعلاجه ثقافي قبل أن يكون وعظيًا أو أمنيًا.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط في الرد على الشبهات، بل في بناء الإنسان، وإحياء الضمير، وتقديم نموذج حضاري للإسلام يُقنع العقول قبل أن يخاطب العواطف.
