هبة عبد الوهاب تكتب: رهانات الثقافة وصخب الانتخابات

يفترض أن يكون اتحاد كتاب مصر هذ الكيان العريق ضميرا للمثقف، وحاضنة خصبة للإبداع وأهله، بل ومنبرًا قويا للدفاع عن حرية الكلمة وأصحاب الرؤى. غير أن هذا الدور، مع مرور الزمن بات محل اختبار: وزادت التساؤلات وتنامت حول هذا الكيان شديد الخصوصية ليفرض مزيدا من الحيرة، فهل مازال الاتحاد يؤدي وظيفته الثقافية كما ينبغي، أم أن حضوره تراجع لصالح أدوار شكلية لا تعكس ثقل الكُتّاب الحقيقي؟

أسئلة نبتت من شعور متزايد لدى قطاع عريض من المثقفين، خاصة شباب المبدعين الذين باتوا خارج معادلة الاتحاد، وخصوصا بعدما أصبح المشهد يُدار وفق آليات لا تتسم دائمًا بالشفافية والوضوح. فمع كل موسم انتخابي، تتجدد الآمال في التغيير، لكن سرعان ما تصطدم هذه الآمال بواقع معقد.

إذ يرى البعض أن الانتخابات داخل الاتحاد لا تخلو من الاعتبارات التي تتجاوز الكفاءة، مثل العلاقات الشخصية، والتحالفات غير المعلنة، فيما يُعرف بـ”الشللية”. والتربيطات التي تضمن تشابك المصالح الخاصة، وتهميش المصالح العامة وتوزيع الغنائم دون الالتفات إلى قضايا الأعضاء وتطلعاتهم..

ففي كل دورة انتخابية داخل اتحاد كتاب مصر، لا يكون الحديث مقتصرًا على الأدب أو الإبداع أو حتى نزاهة المشهد الانتخابي وحكمة الإدارة، بل يمتد ليشمل مساحات أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الثقافة مع المصالح، وتتشابك الرؤى الفكرية مع حسابات النفوذ. ليتحول المشهد من كونه استحقاقًا مهنيًا إلى ما يشبه ساحة صراع، تتعدد فيها الأصوات، وتتصاعد معها وتيرة الجدل والخلافات التي ربما تصل إلى حد الفضائح!!!

ربما لا يعني هذا غياب النزاهة بشكل مطلق، لكننا كأعضاء اتحاد كتاب مصر، وسط كل هذا لا يمكن لنا أن نجزم إلى أي مدى تعكس نتائج الانتخابات إرادة الجمعية العمومية؟ وهل تتيح آليات الترشح والتصويت فرصًا متكافئة لجميع الكُتّاب، أم أنها تميل لصالح أسماء بعينها تملك رصيدًا من النفوذ أكثر من رصيد الإنجاز؟

في الشهور القليلة التي تسبق العملية الانتخابية -التي تأجلت كثيرا لأمور غير مقنعة- أصبحت “التسريبات” عنصرًا حاضرًا بقوة في المشهد، حيث تتداول منصات التواصل مقاطع أو وثائق يُقال إنها تكشف كواليس ما يجري داخل الاتحاد، من علاقات مريبة، وعضويات مشكوك فيها، وخلافات جانبية توضح مدى الخلل الأخلاقي الذي ارتكز عليه بعض أعضاء مجلس إدارة الاتحاد لسنوات طويلة. وهنا يبرز السؤال الأكثر تعقيدًا: هل هذه التسريبات تمثل محاولة لكشف حقائق مخفية؟ أم أنها تعد جزءا من صراع أوسع، تُستخدم فيه المعلومات كسلاح لتصفية الحسابات، داخل وخارج الاتحاد؟!! وهل ظهور مثل هذه التسريبات التي تدين شخصيات يفترض أنها ذات قيمة أدبية وإبداعية -لطالما وثقت الجمعية العمومية فيها وسلمتها مفاتيح الاتحاد بكل أريحة- ليتم كشف سترها بهذه الفجاجة؛ يعد مشهدا أخلاقيا؟ لكنه قام بكشف لقطات غير أخلاقية داخل هذا المنبر العظيم؟!!
الحقيقة؛ ربما تقع في منطقة وسطى تميل إلى الظلام.

فبعض التسريبات قد يحمل قدرًا من المصداقية، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من توظيف سياسي لتوجيه العملية الانتخابية أو شخصي لتصفية الحسابات الشخصية. وهو ما يجعل المتلقي سواء عضو جمعية عمومية أو متابع خارجي في حيرة من أمره، ولا يمكنه أن يثق في أعضاء هذا الكيان ليقف في منطقة المظلمة التي بين التصديق الكامل أوالشك المطلق. وقطعا يفتح كل هذا الباب لرفض الكيان الذي بات بالنسبة له مشوها وصار من السهل التطاول عليه؛ بكل أسف..!!

أخيرًا: ما يحدث داخل اتحاد كتاب مصر لا يمكن عزله عن إشكالية أوسع، تتعلق بعلاقة المثقف بمجتمعه الصغير ونقابته الأولى. فالمثقف، الذي يُفترض أن يكون صوتًا ناقدًا ومستقلًا، قد يجد نفسه جزءًا من منظومة يسعى فيها إلى النفوذ والتأثير. وهنا ربما يجعل الشك يساورنا عند السعي إلى مقعد داخل مجلس إدارة الاتحاد، أو يفرض على المبدع الدخول في معادلات لا تختلف كثيرًا عن تلك التي ينتقدها؟

ومن أبرز الإشكاليات المطروحة على خلفية انتخابات مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر؛ معرفة مدى تمثيل الاتحاد لكافة أطياف الكُتّاب. فبينما يرى البعض أنه لا يزال كيانًا جامعًا، يشعر آخرون -خاصة من الأجيال الجديدة- بأنهم مهمشون، وأن صوتهم لا يصل بالقدر الكافي، وأن تواجدهم داخل هذا الكيان مجرد هراء لا فائدة أدبية ولا مادية يمكن له أن يجنيها، فلم يهتم لشأن هذا الاتحاد الذي باتت الصراعات غير المحسوبة هي عنوانه؟!!

هذا التباين في الرؤى يعكس فجوة حقيقية، قد تتسع إذا لم تُعالج من خلال سياسات أكثر انفتاحًا، تتيح دمج الطاقات الجديدة، وتمنحها مساحة للمشاركة الفعالة، كما يمكنها إلقاء الضوء على المشكلات الجانبية والتحقيق في شأن التسريبات المهينة التي نالت من شخوص عدة يفترض أنهم ذات حيثية ورؤى.

أما عن التساؤل الآخر الذي يفرض نفسه أيضا، هل سيظل اتحاد كتاب مصر، رغم كل ما يثار حوله، مؤسسة ذات قيمة رمزية كبيرة؟!! لابد أن نسعى جميعا لهذا، بالانتباه والمراقبة والمحاسبة والمراجعة، لأن الأماكن ذات القيمة لا يمكن لنا التخلي عنها بكل هذه البساطة لمجرد أن استحوذ عليها في إحدى الفترات بعض ما يعرفون بمرتزقة الثقافة أو عبّاد المناصب أو خونة الإبداع وأهل المصالح الخاصة وأصحاب الشللية.. لذا بات فرضا على الجميع مراجعة جادة لآليات العمل، وتعزيز الشفافية، وإعادة الاعتبار لدور الاتحاد كمنبر عريق للإبداع لا ساحة للفوضى والصراع.

فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد تنافس على مقاعد، بل فرصة لإعادة تعريف الدور، وتصحيح المسار. أما التسريبات، فمهما كانت دوافعها، لا شك أنها كشفت ستر البعض ممن ظن الجميع بهم خيرا، لكنها أيضا تظل مؤشرًا على حاجة ملحة إلى محاسبة الذات والوقوف على ضلالتها، وربما التمعن في كل هذا يساعد على إعادة ترتيب المشهد داخل اتحاد كتاب مصر لاستعادة الثقة المفقودة التي ينبغي على الجميع السعي إليها بمنتهى الشرف والمهنية، لا العكس. لذا بات علينا جميعا فعل هذا كي تظل الكلمة هي الرهان الحقيقي.

وفي خضم هذا الصخب المتصاعد، لا يجوز القفز فوق القانون أو الالتفاف على أحكام القضاء ولائحة الاتحاد تحت أي مبرر. فحين تُستبدل القواعد بالترضيات، وتُدار الأمور بمنطق النفوذ لا بمنطق الحق، يفقد الكيان ما تبقى له من هيبة. إن الرضوخ لأحكام القضاء ليس خيارًا انتقائيًا يُؤخذ منه ما يوافق الأهواء ويُترك ما يعارضها، بل هو التزام كامل لا يقبل التجزئة، وإلا تحوّل الحديث عن النزاهة إلى مجرد شعارات جوفاء. كما أن احترام لائحة الاتحاد وتفعيلها بعدالة وشفافية هو الحد الأدنى الذي يضمن تكافؤ الفرص، ويمنع العبث بمصير مؤسسة يُفترض أنها تمثل ضمير المثقف. فإما أن نحتكم جميعًا إلى قواعد واضحة تُطبق على الجميع بلا استثناء، أو نقرّ صراحة بأن ما يحدث ليس سوى إدارة للأزمة بمنطق القوة لا بمنطق القانون.

اقرأ ايضا:

هبة عبد الوهاب تكتب: العبور مجددًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى