الناقد أحمد فرحات يكتب: نظرية في الجيم

في أبريل 1987م كتب د. حسن طلب ديوان “آية جيم” أهداه إلى معشر الجيميات والجيميين لا المتجيمات والمتجيمين. وفيه استعاذ بالشعب من السلطان الغشيم فقال: أعوذ بالشعب من السلطان الغشيم باسم الجيم.

ومن الجلي تلك الإسقطات المقصودة على حرف الجيم في العربية، محملا إياه عبء اللغة والفلسفة والدين وكل قضايا الوطن السياسية تقريبا، فلم يترك كلمة في اللغة تحتوي على حرف الجيم إلا وذكرها في عمله هذا.

يقول في السورة الأولى الجيم ترجح :

الجيم تاج الأبجدية

وهي جوهرة الهجاء

جمانة اللهجات

أو مرجانة الحاجات

أجرومية الهزج

ارتجال

جر بالمجتث هجهجة الرجز.

ولعلنا نلحظ أن الهجاء والأبجدية واللهجات والأجرومية والهزج والرجز والمجتث والهزج من حقل اللغة والشعر.

وفي السورة الثانية الجيم تنجح يستمر في استعراض حرف الجيم فيقول:

جيم جمزت أم جيم بجمت

جيم من يأجوج ومأجوج

تجخ وتجأر

جيم الجلواز الأعجر

وجهاداها إجهاض الجيم المسجونة

بين الجامع والمتجر

أم جيم تتهجى وتجاهر

جيم تتفجر

وهنا يشير إلى أهمية حرف الجيم منذ التاريخ البعيد إلى الحاضر القلق ويستمر في استعراضه اللغوي فيقول:

جيماتكم منجاتكم

فتجهزوا لنجاتكم

من جائحات جُنَاتِكم

جيما تكم جَنَّاتُكم وجَنَاتُكم

جيماتكم مَرْجَاتُكم خَلجاتُكم حُجُرَاتُكم

جيماتكم جَاماتُكم جَرَّاتُكم جَدَّاتُكم زوجاتكم

فاحرنجموا بين الجراح

وهجنوا جيناتكم

ولا يتوقف عند الشكل الحر للشعر بل يتناول العمودي منه بالكيفية نفسها بالطريقة ذاتها فيقول:

جيم من الوجد أم جيم من الأرج

ترجرجت بين جيم الموج واللجج

وجرجرتني إلى جيبم مدججة

وجرعتني أجاج الجيم في الثبج

فأججت بين جنبيّ الجوى وجرت

على جناني بسجساج من الوهج

جيم سجيتها غنخ ويعجبني

ما في محاجرها النجلاء من دعج

فجنبيني وجيب الجيم وانبجسي

من فجوة الجفو يا جيما من الفرج

ولا تحاول أن تستقطب المعنى المراد فليس لك إلا هذا الطرب والوهج بحرف الجيم وهو يأخذك يمينا ويسارا وصعودا وهبوطا طائرا بك تارة، ومحلقا بك أخرى، وغائصا هنا وهناك فالمهم عنده جمع حرف الجيم في كلمات ذات حقل دلالي قريب أو شبه قريب .

فالغموض مقصود لذاته واللعب اللغوي ديدنه ليقدم لك وجبة لغوية ذات شحنة عاطفية مموسقة ، وراح يستدل على شدة غموضه بأبيات ذي الرمة عن الشعر الغامض فنقل قوله:

وشعر قد أرقت له غريب

أجنبه المساند والمحالا

فبت أقيمه وأقد منه

قوافي لا أعد لها مثالا

غرائب قد عُرفن بكل أفق

من الآفاق تُفتعل افتعالا

وفي مناقشة الديوان مناقشة علنية قال الشاعرحسن طلب: كنت أظن أن ديوان آية جيم سيغضبالساسة، وليس رجال الدين، لكني وجدت أن الساسةورجال الدين وجهان لعملة واحدة.

وأضاف طلب في الندوة التي أقامتها دار «نفرو»للنشر لمناقشة ديوانه «آية جيم»: «التزمت فيالديوان بحرف الجيم، وهي الفكرة التي فعلها منقبل شيخي المعري، هذا الشاعر صاحب النزعةالإنسانية والناكر لذاته، وقد وجدت الالتزام نفسهعند ابن سينا وابن عربي، لكن المعري تعامل معالحرف بعيدا عن الرمزية وكأن له كيان حي».

 وكان من المناقشين د. أحمد درويش رحمه الله فقال: «تعاملت مع «آية جيم» على أنه كتاب وليس ديوانا،فهو لا يشتمل على صور ولا على قصائد، فبعضالكتاب شعر وبعضه نثر وبعضه بين بين، وهو مايجعل من الصعب الحديث عن شكل معين له، وكثيرمن القصائد التي يكتبها طلب وغيره كثيرا ما يجدالقارئ أن بؤرة التركيز فيها تقع خارج القصيدة منخلال التركيز على موضوع معين، وشحذ الأدواتالفنية لجذب المتلقي، وهو ما فعله في دواوينه حينماكتب عن لبنان وعن الجسد وغيرها».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى