الناقد أحمد فرحات يكتب: دوبامين

الشعور بالسعادة حلم يراود الناس جميعا، يسعون إليها بشتى السبل، وخاصة عندما يشعر الناس بكبر السن، ويشتهون عودة الشباب، وهو شعور صادق ولكن من السنن الكونية أن يكون للإنسان بداية ووسط ونهاية.

تلقف الروائي د.طارق الزيات الفكرةوبنى عليها عملا فنيا يوظف فيه فكرة “هرمون السعادة”وهو مادة كيميائيةأو هرمون موجود بشكل طبيعي فيجسم الإنسان، حيث يعزز من الشعوربالسعادة.

وهذا يعني أن الروائي يمكن أن يعبربالرواية عن فكرة معينة نتيجة أن  العقل الواعي هو العقل القادر على احترام الفكرة حتى ولم يؤمن بها.

اعتمد د.الزيات فى روايته المكثّفة على تقنية تعدّد الأصوات أو ما يعرف بـ«الرواية البوليفونية»، حيث يتصدى للسرد مجموعة من الشخصيات الواعية واللاواعية، من أجل رسم مشهد تغلب عليه الأسئلة التى لا تتوخّى القطع أو تقديم أفكار حاسمة بشأن قضايا ملتبسة وإشكالية. فهي رواية تتّكئ، بشكل أساسى، على أزمة الوجود الإنسانى المهدّد، دومًا، بالتلاشى والموت والعدم. ورغم شبح الموت الذى يطلّ برأسه فى كل لحظة على مسرح الأحداث، إلا أنّ البطل يرفض الاستسلام، ويظل متحصّنًا بعودة شبابه وجنون الصبا والشباب وطيش المراهقة فى مواجهة الذبول والشيخوخة ثم الموت، ويبقى متشبّثًا بالحياة القصيرة، الهادرة، العابرة، الغادرة، ويواصل مسيرته دون توقّف.

الأجمل فى هذه الرواية هو عمقُ التفكير الفلسفى المبثوث فى تضاعيف أحداثها. ذلك بأنّ الفلسفة تُنقذ السرديّات من فتنتها العابرة، وتغوص بها على معانى الاختبار الوجودى فى أشدّ إرباكاته استنهاضًا للعقل المستنفَر.

المدهش فى أسلوب هذه الرواية أنه بالغ السلاسة والعذوبة والرقة فى آنٍ واحد، فليس فيه أى مناورات فى الزمن،ولا يفاجئنا بأى حيلة تقنية جديدة، غير إجادة الحوار بين الشخصيات، وقدرته على تنامي الأحداث وتسارعها، فيحكى بتدفق ويسر يأسر قارئه، ويثير شغفه،ويجعله رهين متعته الجارفة.

يقدم رؤية رجل رغب في عودة شبابه إلى حيوته المتقدة بعد أن عانى ما عانى مع زوجته التي انشغلت بالأولاد وتربيتهم عن الاهتمام به شخصيا، فلجأ إلى عصابة تبيع الوهم، وتتكسب منه. فغاب عن بيته ستة أشهر، حتى تكتشف زوجته أن غيابه ليس بسبب سفره كما زعمت لها العصابة التي يرأسها صديق له. راعنا فى شخوصه تتعددها واختلاف توجهاتهم، فشخصية ناظم في تفكيرها الراغب في عودة صحته وعافيته تختلف عن شخصية صديقه كامل رفعتالتي تجسد الشر، وبدورها تختلف عن شخصية أمين الصديق المخلص الوفي الذي رضي بقدره ونصيبه من الحياة البسيطة، لكنه مرتاح نفسيا راضيا بها.

الشخصيات الأكثر جدلا في الرواية هي الشخصيات النسائية؛ فادية زوج ناظم، وميسون زوج ناظم الثانية، وسالي،محبة للمال، زوج رئيس العصابة،ولنتأمل هذا الحوار حتى يتسنى لنا أن نقدم تصورًا متماسكًا نقيس تقاطعاته وتوازياته فيالنصوص الحديثة:

فادية، صدقيني، ناظم لن يطلقزوجته، وأنا أنصحك بإخلاص، ابقيعلى ذمته، واطلبي منه أن يقيم خارجالبيت، واجعلي حياتك مع الأولادطبيعية.قالت فادية:

لقد فكرت في هذا الحل، ولكن ماالفائدة؟!

الفائدة كبيرة؛ أولا: أنت لن تتزوجيالآن، إلا لو تخليت عن أطفالك، فهل أنتعلى استعداد للتخلي عنهم؟! لن ألومكلو قلت إنك على استعداد لهذا.

لا، لست مستعدة، ولا مستعدةنفسيًا للزواج، وأريد أن أحتفظ

بالأولاد معي.

حسنًا، يجب أن تعلمي أن زيجاتقليلة نادرة التي استمرت بنجاح،

والزوجة تعيش مع زوجها، وأطفالهامن زوجها الأول. هذه حقيقة، لا

يوجد رجل مستعد لتحمل مسئوليةأبناء رجل آخر.

أعرف هذا.

عظيم.. بقا ؤك على ذمته؛ سيضمنلك حياة جيدة اعتد ت عليها أنتوأبناؤك، وسيضمن تواصل ناظم معالأولاد، وحتى ظهوركما سويًا للحياةالعامة، بلا حرج. ومن ناحية أخرى، فإنالدنيا حياة، وموتولا قدر اللهإنتوفي ستنالين نصيبك من الثروة،وحتى لو اقتسمتيها مع زوجتهالحالية، فهي ستظل ثروة كبيرة، وهذاحقك.

المال لا يعنيني في شيء.

هذا كلام فارغ، وفلسفة مؤذية؛ المالمهم، بقدر ما يؤمن لك احتياجاتك،وبقدر ما يؤمن مصاريف العلاج، بقدرما يؤمن لك سكنًا نظيفًا، أنا لا أتحدثعن كنزه، ولكن أتحدث عن توظيفه. دونالمال تصبح الحياة بؤسًا! هل تصدقينمن يكتبون إن المال لا يجلب السعادة؟! نعم، قد لا يجلب السعادة، ولكنه يجنبكالفاقة، والعوز،والإذلال، نحن لسنابصدد تنظير فارغ، لا، هذه حياة،وبيوت مفتوحة،ومصاريف لا تنتهي،أرجوك أفيقي من غفلتك.

الاستعداد الفطرى لدى د.الزيات فيما درجنا على تسميته بالموهبة، وهى طاقة إبداعية يملك كل إنسان قدرًا منها، لكنها تتجلى فى لغة سرده على وجه التحديد فى كفاءة امتلاك اللغة، والقدرة على التصرف فيها، والشغف بجسدها المادى فى الألفاظ والتراكيب، وأهم من ذلك القدرة على تفجير طاقة التخيل الكامنة منها بالوصف والحوار، وكلما اتسعت رقعة هذه الملكية اللغوية وزادت فاعلية توظيفها ضمنت لصاحبها كفاءة عالية فى الاستخدام، وقدرة مبكرة على التمكن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى