الناقد أحمد فرحات يكتب: لمختار في أخبار الحمار

الناقد أحمد فرحات

استلهم السعودي محمد الراشدي أحداث الزمن الماضي، في امتصاص لمواقفه، وابتداع لتأليف الخيال، وإعمال الذهن في التحدث على لسان الحيوان، وكلام الحمار في حوار ملتهب مع بني البشر، مما ينم عن تمثل بالتراث وتماهي مواقفه وأحداثه مع أحداث العصر. فيقول في إحدى مقاماته: (المختار في أخبار الحمار) روى ابن شوية في كتاب (النهاية قبل البداية) قال: ثم دخلت سنة ألف وأربع مئة واثنين وثلاثين للهجرة ، وفيها وقع من البلاء مالا يحيط بعلمه إلا الله، إذ أفحش التجار في الغلاء، بالغوا في الكيد والحيلة حتى شحت الأقوات، وإن الرجل ليرتحل في طلب الصاع من الشعير الأيام ذوات العدد حتى إذا عثر عليه ابتاعه بعد المشقة بوزنه ذهبا وما ذاك إلا مخافة أن تهلك الأنعام وتنفق الدواب لما أصابها من الجوع.  

وفي ذلك حدّث ابن مسروق قال:كانت لي غنيمات أنتفع بلحومها وألبانها وأصوافها ، وما زلت حادبا عليها أطعمها الشعير والبرسيم حتى وقع الغلاء في الشعير ، ثم عز تطلبه فلم نعثر منه على شيء ، وإنه ليباع بالخفاء كما يستخفي أحدكم بلذته.

قال: فلما أشرفت غنيماتي على الهلاك خرجت بها ذات يوم ألتمس لها المرعى، وإن بها من المخمصة ما يكبو بها في كل خطوة ، حتى إذا بلغت مرعى أدركه اليباس بإحدى النواحي إذ مالت عليه الغنم ميلة واحدة، فأعملت فيه الأفواه ، تقضه وتقضمه، فلا تسمع من ثغائها نأمة، وإن الحسناء من الشياه لتمر بالتيس لا يلقي لها بالا وقد شغل بجوعه عن كل ذات حسن، وإن الشاة لتأكل العشب كما يزدرد فجرة أهل المناقصات عمولاتهم ثم يقولون هل من مزيد؟

قال: فبينما أنا كذلك وقد غشيتني السعادة لما آل إليه الحال، إذ بحمار واقف تحت شجرة قريبة ، وإذ به ينظر إلي ويمعن النظر كأنما ينظر إلى أتان ذات دل وجمال ، ثم إنني هممت أن أتحول عن ذلك المكان وسقت أغنامي أمامي ، فلما جاوزت الحمار ، سمعت صوتا يقول : كم وصل سعر الشعير؟

فالتفت فلم أر غير الحمار، فظننت أنني قد وهمت. فلما انصرفت تلقاء غنمي عاد السائل يقول:كم وصل سعر الشعير؟ فالتفت فلم أر سوى الحمار وما زالت نظراته بي عالقة فأوجست خيفة.وقلت: من السائل؟

فأجاب الحمار: أنا. فشهقت لشدة الذعر،وانثنيت ألتقط نعلاي ليكون أسرع في الهرب، فعاجلني الحمار قائلا : ناشدتك الله أن تبقى فوالله لا ينالك مني سوء أبدا.

فعجبت والله من حمار يتكلم وإنه لأفصح من بعض مذيعي القناة الأولى
فقلت: أمن الجن أنت؟

قال: بل والله أنا بشر مثلك، ولكني مسخت حمارا كما ترى ، وما ذاك إلا عقوبة الله لي وإني لأسأله أن يردني بشرا وأن يغفر خطيئتي.

قال ابن مسروق: فاقشعر جلدي ، وبكيت حتى اختلفت أضلاعي، ثم قلت وما جنيت حتى نزلت بك هذه العقوبة.

وإذ بالحمار يحفر بحافره الأرض حتى بدا طرف قماش كان مدفونا فقال: انزع هذا، وتقدمت فنزعته من باطن الأرض وإذ هو(بشت) فاخر
قلت: وما ذاك؟

قال الحمار : قد كان هذا لباسي ، وكنت أقتعد أريكة فاخرة من الجلد في مبنى فاره قبل أن ينزل بي البلاء وأمسخ حمارا. قلت متعجبا: أي موبقة أحلتك هذه المنزلة؟

قال الحمار وقد نكس رأسه: اعلم رحمك الله أني كنت مسؤولا عن التجارة في هذه القرية التي قدمت منها بغنمك ، فما زلت أحابي أهل المال، وأجامل التجار، وأغض الطرف عن فاحش الأسعار، وأخادع الناس بمعسول الكلام، وأمنيهم الكذب، والناس يلهجون بالدعاء علي آناء الليل وأطراف النهار، حتى أفقت ذات يوم وقد مسخت حمارا فخرجت أهيم على وجهي حتى بلغت هذه البرية فأقمت هاهنا أمضغ العشب، وألحف بالدعاء لعل الله أن يفرج كربي.

قال ابن مسروق : فلولا أن الله حرم إظهار الشماتة لرقصت طربا ، ولكنني تماسكت ، وما زلت أذكره بالله وهو ينشج ويستغفر ، وبينما نحن كذلك إذ هبت علينا ريح شديدة جلبت معها ورقة من صحيفة سيارة فالتقطتها وإذ بها إعلان لتاجر يدعى الطازج بن فروج يزعم أنه قد خفض أسعار دجاجاته وفراريجه ، فنظرت إلى الحمار وقلت وقد أشرت إلى الطازج بن فروج. ما تقول في هذا .. أتراه صادقا؟

قال الحمار : أسأل الله أن يمسخه دجاجة لا عقل لها جراء استخفافه بالعقول. قلت: لعله صادقا!

قال الحمار : إن كنت تصدق مثل هذا فأنت الحمار لا أن!

فأنت هنا أمام نص يستلهم التراث عن وعي شديد، ففي العنوان استلهام لعنوان: المختار من مناقب الأخيار، لابن الأثير الجزري،ت: 606هـ وهوكتاب تراجم للصحابة والتابعين وتابعي التابعين. وما عليك إلا أن تنظر إلى عبارة (النهاية قبل البداية) وهو هنا يشير إلى كتاب من أشهر الكتب في التراث العربي(البداية والنهاية) لابن كثير، وهو هنا يرمي بكلامه إلى الوقت الراهن، وما أصاب المجتمع من غلاء أسعار، وتفشي السرقة وفساد الناس، وذكر مساوئ المجتمع. معبرا عن الحاضر بصيغة الماضي، أو الماضي بصيغة الحاضر، فما أشبه الليلة بالبارحة! فبالإضافة إلى ذكر أسماء الشخصيات ذات النزعة التراثية(ابن شوية، ابن مسروق)، وذهابه إلى أسماء الكتب التراثية،  فإنه يستلهم مواقف المجتمع وأحداثه من ضائقة تمر بها البلاد في أسلوب ساخر تهكمي. وينبغي أن نقرر أن تقنية استلهام المروث وامتصاصه، ثم التعبير عنه في صورة نص مقامي جديد، تقنية فطرية، ينشأ عليها المبدع العربي، ويتغذى بأفكارها، ومعانيها، ويعيد إنتاجها في نص جديد، تظهر فيه ملامح الأصل والجذر، وليس نصا هابطا من السماء، ولا نابتا من تحت الأرض، بل هو نص جديد مشوب بالقديم، أو نص طازج، بكر، فيه من نسغ القدماء العاطفة، وفيه من الجديد ابتكار مواقف عصرية تتماهى مع المشكلات الاجتماعية الآنية.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى