الناقد أحمد فرحات يكتب: فوق الجاذبية

عندما تقرأ عبارة رواية ما بعد حداثية فإنك تقف مشدوها لتعرف ما سمات هذا الضرب من الروايات وأهم الروايات العربية والغربية التي تنتمي إليها.

ما بعد الحداثة لا تفهم بوصفها مدرسة أو اتجاها لها بيان واضح جلي بل بوصفها حساسية جمالية وفكرية تثير فيك شغف الشك وعدم اليقين . فهي رواية تقويض للسرد التقليدي الذي ينبني على البداية النمطية وتسير في خط أفقي نحو الحل مرورا بالعقدة ولحظة التنوير. فالرواية التي تؤسس لما بعد الحداثة لا بداية فيها واضحة لا نهاية حاسمة ، زمانها متشظ، تصدر لك القلق والشك أكثر مما تثير فيك اليقين والاطمئنان، باختصار هي رواية بلا مركز ثابت، فلا حقيقة مطلقة ولا معنى نهائي للعالم المتناول داخلها فهو عالم بلا مركز ولا مرجعبة نهائية.  

تستدعي رواية ما بعد الحداثة نصوصا دينية أو تاريخية أو شعبية بطريقة واعية ومركبة، المعنى فيها لا يقال مباشرة بل ينتج عبر التناقض والاختلاف.

رمضان شخصية تعبر عن الواقع والوهم معا فهو خير مثال للشخصيات القلقة التي تعبر عن علاقة خاصة بالواقع المتخيل.

تصور فوق الجاذبية العالم الذي يشبه الإعلام والصورة أكثر مما يشبه الواقع نفسه، فهي رواية لا نهاية لها مفتوحة أشبه بالحلقة أو الدائرة وربما تكون نهاية عبثية، لا يقينية.

تكشف رواية فوق الجاذبية لعبة السرد، بكل دقائقه وتفاصيله عبر سياق تناصي ديني أو فلسفي لتتجلى صناعة النص بحرفية عالية.

لا تقدم رواية ما بعد الحداثة فوق الجاذبية صوتا مركزيا وحيدا، بل متعددة الأصوات، رمضان يصلح أن يكون بطلا، وكذلك رؤيا وخالد، صوت العلماء الغربيين في الرواية .. كلهم يمكن أن يقدموا أصواتا متعددة ومختلفة وربما متناقضة داخل بنية النص السردي؛ لأنها تقدم سردا مكثفا بلا بطل مطلق أو حقيقة واحدة.

تمتزج في رواية ما بعد الحداثة تعددية اللغة، الفصحى اليسيرة تارة، العامية الإقليمية تارة أخرى. فهس رواية تستعذب اللعب بالمستويات اللغوية، فتكسر الفصحى الصافية عبر تداخل العامية والخطاب الإعلامي المباشر وغير المباشر. الحقيقة في هذا الضرب من الروايات متعددة وليست ثابتة بل حقيقة مخادعة مخاتلة فالمعنى الفعلي لا ينتج مباشرة بل عبر التناقض والاختلاف.

تتداخل في رواية ما بعد الحداثة التأمل الفلسفي مع المقطع الشعري والهذيان النفسي والسرد الاعترافيوهذا خرق متعمد لنقاء الجنس الأدبي بل جوهر ما بعد الحداثة.

فإذا كانت الرواية التقليدية تقول : هكذا تُروى الحكاية فإن فوق الجاذبية تقول: الحكاية نفسها مشكوك في وجودها من الأساس.

يولد السرد في رواية فوق الجاذبية للروائي السعودي أحمد الشدوي من لحظة بينية شديدة التعقيد والدلالة، إذ ينطلق من بؤرة التوتر الكلي فهو يبدأ مشهده من نقطة اشتعال الحدث من ذروته، يقذفها إلى متلقيه في حيرة وتوتر، ثم يعود لينسج الأحداث بتوال دقيق يبدو فيه  المشهد غامضا بل ملبسا حيث يمثل حدثاً أو إضافة ما لينمو معها السرد، في تتابع مثير. فما عليك إلا أن تتصور الجملة الأولى في الرواية أو في المشهد المتوتر حيث تجمع بين ثلاث شخصيات يلفهم الغموض: أدخل خالد الكبسولة حين كانت رؤيا توشوشه في أذنه بكلام لم يفهمه جيمس.. فأنت أمام بداية متوترة معقدة منذ الوهلة الأولى، يأخذك فيها الشدوي إلى عالمه الفضائي الرحب، عبر شخصيات ثلاث تتصارع جميعا في همس وصمت.

ويزداد الأمر توترا وتعقيدا بظهور شخصية رمضان وهراوته التي تعلن الذب عن خالد ورؤيا ضد أي أذى يصيبهما. فهو شخصية عجيبة بكل ما تحمل الكلمة من دلالات. رجل ليس له صورة، فقط خارطة تختفي بمجرد وصوله من سراديب مرتبكة، له صورة غير فيزيائية، اشتهر بهراوته التي يدافع بها عن نفسه ضد أعداء الخير. وهو شخصية مساعدة لرؤيا وأهلها، ولخالد ومواقفه التي يقع فيها في حاجة إلى مساعدة.

يتعمد الشدوي التشويق والإثارة عن طريق تأخير عودة الضمير إلى الاسم الظاهر ، حدث هذا مع رؤيا ، كريستينا، رمضان، .. فما عليك إلا أن تقرأ عن طريقة تقديمة للشخصية البطلة رؤيا، فإنك ستقرأ صفحة واثنتين وثلاث صفحات حتى تصل إلى المراد من الضمير، فيقول عن رؤيا حملت الحقيبة ولم تلتفت إلى مكاتب تأجير السيارات، خرجت من البوابة مع شروق الشمس… كل هذه الضمائر لم تعد إلى الاسم الظاهر إلا بعد ثلاث صفحات من استخدام الضمير، عندما قال: كبرت رؤيا فأصبحت جميلة بيضاء.. قياسا على ذلك تجد كل شخصيات الرواية ذات غياب لمرجعية الضمير، فهي تبدأ بغموض متعمد، رغبة في الإثارة والتشويق.

وهناك لقطات مكثفة تتوالى كتداعيات رمضان وهو يمر شريط ذكرياته عبر رؤيا وخالد، فيكشف لك عن ملامح شخصيته الفيزيائية والنفسية، فهو شخصية أشبه ما تكون بالعجائبية، وقد وظفه الشدوي توظيفا فنيا لإضفاء لمسة أسطورية على حياة العرب، وأنهم يؤمنون بالأساطير وقوتها على سلوكهم الذاتي.

وإيغالا في التشويق والإثارة والغموض عند الشدوي يستخدم حدثا سرديا ذا نزعة علمية خالصة، فانتقى علم الفضاء ميدانا لأحداث روايته، وهو ميدان علمي يتطلب مزيدا من التفاصيل العلمية التي جعلت الشدوي يقرأ كثيرا حول موضوعه ليقدم للقارئ زادا معرفيا دقيقا يقنع به المتلقي النخبوي، حيث قدم لمتلقيه معلومات معرفية تدل على قراءاته واطلاعه الذي استمر طويلا، فالفرق بين الشبورة آخر عمل روائي للشدوي وفوق الجاذبية يقارب سبع سنوات قضاها في القراءة والاطلاع في موضوعه.    

لغة الرواية هي مزيج من الألفاظ السردية السريعة المتعاقبة، والألفاظ الشعرية التي تعتمد الخيال والمجاز والتشبيه انظر ص 35 فقرتين مختلفتين لغة ..

قالت: هيا بنا نقوم من هنا ثم ضحكت وتابعت الكلام، لم أسمع عن نزهة مثل هذه التي قمنا بها فوق ركام المنازل.

أحيانا تسير الأمور مقلوبة، وفي أحيان أخرى تسمع هوة الشقاء حتى لا تتعرف فيها عن الجهات، كمن توسط البحر.

ففي الفقرتين السابقتين تتراءى أمامنا لغة سردية بامتياز في الفقرة الأولى، ولغة شعرية خالصة في الفقرة الثانية، لغة ممزوجة بالمجاز والتشبيه والاستعارة، أما الفقرة الأولى فهي لغة سردية خالصة جاءت فيها الألفاظ مطابقة لمعانيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى