أميرة مهداوي تكتب: مذكرات إمرأة مقدسية
لم يكن يعكر صفو حياة الفلاح الفلسطيني في تلك الأيام، إلا موت عزيز أو مرضه، أو سفره إلى بلاد أخرى وهذا كان نادرا ما يحدث، فالفلسطيني مغروس بأرضه كأشجار الصنوبر، لا يفارقها إلا بموته، أو السفربرلك” التجنيد الإجباري في الجيش لدى الدولة العثمانية”، والتي كانت تواجه أسوأ أيامها بداية القرن الحادي والعشرون، فأوروبا كلها تطمع بالعالم العربي، وفلسطين وهي قلب العالم، وقلب الشرق الأوسط كانت محط اهتمام الدولة العظمى آنذاك وهي بريطانيا، والتي كانت مطامعها لا حصر لها.
السفر برلك او الذهاب الى الحرب كان كابوسا مزعجا ومن يذهب لا يعود، السفربرلك أخذ واحدا من اعمامي ، الذي ترك ورائه طفل وحيد وطفلة، إذ كان شابا في مقتبل العمر، وكان الذهاب الى السفربرلك يتم باختيار شابٍ واحدٍ من كل عائلة بالقرعة، لمن أتم الثامنة عشرة من عمره في سجلات المختار، ذهب عمي إلى الحرب ولم يعد، ولم يدر أحد إلى يومنا هذا ما كان مصيره، ذلك الأمر الذي كان يسبب مرارة لجدي لوالدي والذي كان يعد من رجال العشيرة الأشداء، الذين لا تكسر كلمتهم أو ترد ولم يجد جدي حلاً، إلا زواج والدي من زوجة أخيه بعد مرور عدة سنوات وإنقطاع أخباره تمامًا، فلقد جرت العادة بزواج الأخ من زوجة أخيه الغائب أو الميت للحفاظ على الأطفال والزوجة والتي غالبًا ما تكون بنت العم.
كانت الحياة بسيطة وجميلة، لا تخلو من مواقف تسجل في الذاكرة، وتكون مادة دسمة لليالي السمر في المضافة عند أحد الكبراء في العائلة، كانت العائلة الكبيرة الممتدة في تلك الايام كما العائلة الصغيرة، يوقر صغيرها كبيرها، وكلمتها واحدة ، لا يشوبهم شائبة ، فرحهم واحد وحزنهم واحد من مات تبكيه كل النساء، وتلبس الحداد كل نساء العائلة ويمنع ( فك الحداد ) أي خلع اللباس الأسود قبل مرور عام كامل على أي وفاة ، وتأجل الافراح والأعراس ايضا لمدة عام كامل ، لا احد يجرؤ على الإعتراض او التذمر.
حياة هادئة جميلة بكل المقاييس، برغم القسوة التي كانت تشوب تلك الحياة، فالفلاحة وزراعة الارض ليست بالهينة، في ظل ادوات زراعية بدائية، وأرض طينية حمراء يصعب السير فيها بمجرد القليل من المطر، واعداد قليلة من الحيوانات المخصصة للحراثة فاصحاب الأموال الطائلة هم من يملكون الثيران أو البغال للحراثة، والعوام من البسطاء والفقراء يحرثون الارض بواسطة الحمير.
لم يكن يستثنى أحد من العمل ، فالكل يبدأ يومه بصلاة الفجر ، وينطلق كل إلى أرضه ، النساء تبدا بإعداد العجين مبكراً ، لتستطيع أن تخبز في الطابون قبل شروق الشمس وبدأ الحرارة العالية ، وتبدأ بتحضير الغداء لمن يعمل في الأرض ، ايام الحصيدة ( جني محصول القمح ).
كانت أيام عونة والعونة تعني أن الكل يعمل سويا، وجني ثمار الزيتون كذلك، أما زراعة البطيخ، وبذر البذور في بداية اشهر الشتاء فكل كان يعمل لوحده مع أبنائه، لذلك كان الإنجاب لعدد كبير من الأبناء للعمل في الارض أساسيا، وحسن الحظ من ينجب العدد الاكبر من الذكور، فالإناث وخاصة من لم تتزوج منهن يصعب عليها العمل في الأرض، لعدم القدرة على مواجهة صعوبة الحياة البرية من أفاعي أو حيوانات مفترسة، الأراضي كانت شاسعة وان ابتعدت إحداهن يسيطر الخوف بل والرعب على أباها.
ولم تكن الفتاة تقترب من سن البلوغ إلا ويبدأ الحديث عن زواجها، فالعطايا ( إعطاء كلمة من والد البنت لوالد الولد ان هذه البنت لذلك الولد )كانت تتم منذ يوم الولادة ببعض الأحيان، فالعرف والعادة تحتم على الإنصياع للأوامر، فالكل يطمع لمصاهرة كبراء العائلة، وإن نطق والد احداهن بكلمة أو وعد لشقيق أو صديق، أو أي قريب في العائلة فعلى البنت الرضوخ، بل كان من الفسق والفجور أن تتكلم البنت بهذه الأمور، كل ما في الأمر أن يتم تبليغ الوالدة بالقرار لتبدا بإجراءات الجهاز دون أي مناقشة للموضوع.
فما أن بلغت والدتي سنا لم تكن تعي كم عدد سنواتها، تحديدًا فهي بين الثانية عشر والثالثة عشر من عمرها إلا وبدأ ابناء العمومة بل وأهل المنطقة بخطب ود والدها، فهو الرجل المهاب في العائلة وصاحب الأملاك الشاسعة وأب البنين الذكور السبعة، كان ذلك يحفز الكثيرين لطلب مصاهرته، تعدد الخطاب الذين تقدمو لكن صغر سنها كان يمنع جدي من تزويجها، كان يشفق عليها لصغر سنها وحجمها، وموت والدتها في الصغر، إلى ان أتى خاطبا من أعز أصدقائه والذي كان يضاهيه في الشرف والنسب والاملاك، وتحت إلحاحه في الطلب لعدة مرات لم يكن هناك سببا للرفض.
جاءت الموافقة من قبل الوالد ولم يكن على جدتي الى إبلاغها، ولم يكن بوسعها الا أن تنصاع للأمر، ومن مبدأ( أن إبن العم بينزل بنت عمه عن ظهر الفرس )، كان أحد فصول تلك القصة قد بدأ، فلقد كان الحاج محمود ينتظر على أحر من الجمر ان تكبر تلك الصبية قليلا، ليتقدم لخطبتها، مع قليل من الخوف والتردد، اذ كان لديه زوجتان لا واحدة، وكان لديه العديد من الأبناء، يصغرونها بقليل من الأعوام.
ما إن وصل لمسامعه ان ذلك الرجل قد عقد العزم على طلبه، وان الخطبة ستتم قريبا، حتى جن جنونه، (بنت عمي وانا اولى فيها، والمستغني عن عمره يقرب منها)، لم يجد جدي بحسب العرف المتبع إلا أن ينصاع لطلب والدي، وإن كانت تلك الصغيرة هي الضحية، تم الإعتذار للصاحب لأن ابن العم أولى، وبدأت مراسم التحضير لخطبة كبير العائلة وشيخها.

