الناقد أحمد فرحات يكتب: مقالة ومقالة
بقلم: الناقد أحمد فرحات
كتابة المقالة الصحفية تتطلب كثيرًا من الأمور المهمة التي ينبغي أن يراعي فيها الكاتب قارئه رعاية كاملة، فيكتب له بلغة سلسة طيعة غير جامدة ولا متحجرة، ثم ينتقي من الموضوعات أكثرها تشابكًا مع واقعه المعيش، ولا يبتعد كثيرًا عن هذا الواقع.
وأن يتجنب المصطلحات العلمية والإحصاءات الدقيقة التي من شأنها تنفير القارئ من المقالة، وكذلك الابتعاد قدر الإمكان عن التهليل (التطبيل) السياسي لفرقة أو حزب أو مسؤول، وأن يتجنب قدر استطاعته لغة العوام غير المقروءة إلا في الشارع أو الحارة، وكذلك لغة النخبة العليا.
معنا الآن نموذجان من المقالة أذكرهما للقارئ الكريم ليكتشف بنفسه أيهما أكثر تأثيرًا في المتلقي.
المقالة الأولى من صحيفة الرياض
بعنوان: كيفك يا ولد لطيفة!
قبل أيام كنت في السوق حين قابلني شاب مؤدب ومثقف أخبرني أنه معجب بي.
أسمعني مديحًا وكلمات إشادة أصابتني بالدوار ورفعت رأسي فوق السحاب.
وفيما كنا نتحضر لالتقاط صورة “سِلفي”، شعرت بصفعة على مؤخرة رقبتي من شخص يقول:
“كيفك يا ولد لطيفة؟”
كان صديقًا مزعجًا من أيام الحارة، يعرفني حق المعرفة، ولم يعترف يومًا أنني من يكتب في صحيفة الرياض.
أصبحت لدقائق بين رجلين ينظران إليّ بطريقة مختلفة؛
الأول: يعرفني من بعيد، ورسم لشخصي المتواضع صورة مثالية ونموذجية رائعة (لا أستحقها دون شك).
والثاني: يعرفني منذ الطفولة، ويعتبرني مجرد صديق قديم يحتفظ لي بمواقف محرجة (وذكريات مُفشِلة)، ولا يعنيه كيف أصبحت اليوم.
هذه المفارقة تفسر لماذا نتهاون ونتطاول على أقرب الناس إلينا؛ فمعرفتنا له عن قرب تجعلنا نستخف بآرائه وأفكاره وإنجازاته.
لا يعترف عقلنا الباطن بنجاحه وتفوقه علينا، لأن اعترافنا يعني تلقائيًا تخلفنا عنه، ونحن الذين انطلقنا معه من خط واحد.
لهذا السبب تلاحظ – حتى في قصص الأنبياء – أنه:
“لا كرامة لنبي في وطنه”.
ولهذا السبب قال أبو لهب لنبينا الكريم:
“تبا لك، ألهذا جمعتنا؟”
ولهذا السبب طرده أهل مكة في شعب بني طالب، في حين استقبله أهل المدينة بالأناشيد والأهازيج، وقاسموه أرضهم وأموالهم.
تأمل سير العباقرة والمبدعين، تلاحظ أن كثيرًا منهم حظي بالتكريم والتقدير في غير مجتمعه الذي وُلد فيه.
طبيعتنا البشرية تجعلنا لا نقارن أنفسنا بمن لا نعرفهم شخصيًا (كأثرياء العالم الذين تنشر مجلة فوربس أسماءهم كل عام).
ولكننا نقارن أنفسنا بأصدقائنا وأبناء عمومتنا الذين حققوا ثروة كبيرة أو نجاحًا مميزًا، في حين لا تزال أنت ثابتًا في مكانك.
لا يهمك إن نال مراهق فرنسي الدكتوراه من جامعة السوربون، أو تحدث طفل صيني عشر لغات، المهم ألا يفعل ذلك قريبك الذي تربيت معه أو صديقك الذي تشيد به والدتك دائمًا.
وما يبدو لي أن هناك علاقة بين مستوى القرب واعترافنا بتفوق الآخرين.
فكلما ارتفع مستوى قربك من أحدهم، كنت ميالًا لتجاهل نجاحه وتفوقه، وكلما ابتعد عنك، قدرتَه بشكل أفضل ورسمت له صورة أجمل.
والحقيقة أن هذه الظاهرة ملاحظة حتى بين أفراد العائلة الواحدة.
فقد تجد شيخًا أو فقيهًا أو مفكرًا يملك تأثيرًا قويًا على آلاف الأتباع الذين لا يعرفهم، في حين يعجز عن التأثير على أبنائه الذين يراهم كل يوم (بل وقد يعتبرونه رجلًا فاته الزمن).
أنا شخصيًا لدي ستة كتب ناجحة، لا تكاد تظهر في السوق حتى تختفي بسرعة، ومع هذا لم يقرأها أحد من أبنائي.
ابنتي مياس تقرأ روايات عالمية بثلاث لغات، وابني حسام قرأ كتاب عبدالله الجمعة الرائع “حكايا سعودي في أوروبا” عدة مرات، في حين لم يقرأ أحد منهم كتابي “حول العالم في 80 مقالًا” الذي يغطي ربع قرن من الرحلات الموثقة بالصور.
على أي حال، لست أفضل من الإمام أبي حنيفة الذي كانت والدته لا تعترف بفتاويه، وتذهب مسافة طويلة لأخذ الفتوى من فقيه يدعى “زرعة القاص”،
الذي كان يستمع لها ثم يبتسم في وجهها ويقول لها:
“القول ما قاله أبو حنيفة”.
المقالة الأخرى من الأهرام
بعنوان: النبلاء
إنها سنة الله في خلقه. قامت طبقة النبلاء بدور كبير في روسيا في القرن التاسع عشر الميلادي.
تألفت تلك الطبقة من جماعة محدودة للغاية، أقرب إلى العشيرة منها إلى الطبقة، ومن عدد صغير من أحفاد النبلاء الروس والأوكرانيين، وهم سلالة وجهاء القبائل التترية التي انضمت إلى روسيا، إضافة إلى أبناء بارونات أقاليم البلطيق، والأمراء البولنديين، والكونتات.
كل هؤلاء تربوا بطريقة واحدة، وجمعتهم تقريبًا قرابة بشكل أو بآخر بالأرستقراطية الأوروبية.
وكانوا ينظمون الحفلات الفاخرة لوجهاء المجتمع، ويضفون الجلال والمهابة على البلاط الروسي.
وكان لتلك الطبقة تأثير ضعيف على الحياة السياسية، حيث أصبحوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يمثلون طبقة النبلاء بالوراثة. وهذه الطبقة في روسيا لا تشبه طبقة النبلاء في بولندا وليتوانيا التي كانت تحمل طابعًا عسكريًا.
وتحولت جماعة النبلاء الروسية مع الوقت إلى اتحاد زراعي لملاك الأراضي، إذ كان الملاك الزراعيون في كل إقليم يتحدون ويختارون رئيسًا يهتم بشؤونهم يسمى “رئيس النبلاء”.
ويُعد هذا المنصب منصبًا شرفيًا. وقد قام الإمبراطور بعد ذلك بترقية من يشغل هذا المنصب إلى رتبة “ياور”، حيث يمنحه هذا اللقب في احتفال يضم جميع العاملين في البلاط.
وكان لهذا المنصب وقتها مزايا عديدة؛ فلم يخضع لسلطة أي هيئة أو وزير، وكان يمكنه دائمًا أن يطلب مقابلة الإمبراطور لكي يناقش شؤون النبلاء في محافظته.
وكان القياصرة الروس يدعمون بشدة هذه الاتحادات، حتى إنهم أنفسهم كانوا يسعون للانضمام إلى تلك الطبقة من النبلاء بالوراثة.
اقرأ ايضا:
«لم يعد شيئًا أدفعه».. قصيدة جديدة للشاعر أسامة مهران
