الناقد أحمد فرحات يكتب: وفاء بنت سالم الغامدي ومنطق الطير

بقلم: الناقد أحمد فرحات

تنطلق بنت سالم الغامدي وفاء في “منطق الطير” من عتبة كبرى لها جذور تراثية عميقة؛ ففي القرآن الكريم منطق الطير في الآية الكريمة “وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ” النمل (16) ولا بأس فقد ورد في القرآن الكريم قول للنملة حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ النمل (18)
وهذا الهدهد “فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ” النمل.

كما أن بنت سالم الغامدي أفادت كذلك من الكتب السابقة التي أنطقت الطير ككتاب « كليلة ودمنة » وكتاب منظومة منطق الطير فريد الدين العطار النيسابوري. وغيره من الكتب التي اتخذت من الطير منطلقا.

لكن بنت سالم الغامدي كانت مراوغة في وضع عنوان مخاتل، حتى نظن أننا سنقرأ شعرا على لسان الحيوان أو الطير، فإذا بها ترمي إلى أبعد من استنطاق الطير؛ حيث نثرت مشاعرها وبوحها الأنثوي الحزين على العناوين الفرعية للديوان، بدأت بالنجوى، والوشوشات، وحديث الورد للغيم، والتناهيد ثم انفجرت في فوضى الأحاسيس. وهي عناوين تنضوي تحت مظلة البوح وتسريب المشاعر وهي أقرب إلى الاعترافات والبوح؛ لأنها أحاسيس كاشفة عن نفسية مكلومة، امتدت إليها يد الموت فانثالت عاطفتها حرى ملتهبة متقدة، فأبكتنا ووخزت مشاعرنا بإبر الحزن، وشاركناها حزنها وألمها.

ورثت الشاعرة فاء إرثا معرفيا وثقافيا كبيرا، فهي حفيدة الخنساء وليلى العفيفة وشواعر العرب القدامى في العصور السالفة. كما ورثت الشكل التقليدي للقصيدة العمودية ونسجت على منواله جل شعرها، فجاءت قصائدها قوية البناء، متماسكة الأوصال، رقيقة الحس.

تقدم الشاعرة وفاء بنت سالم الغامدي نفسها، وخلاصة تجربتها الشعرية في الديوان برمته بقصيدة من أنصف القصائد تعبيرا عن الذات من جهة، وعن الفن الشعري من جهة أخرى، تستعرض في عشرة أبيات موهبتها القادرة على البوح والاعتراف للقارئ بمحتوى تجربتها عامة. فتقول عن مملكة الشعر وهو الباب الملكة للتعبير عن الذات الشاعرة:
يا صهوة الشعر امنحي الأفكار هدي
أخشى جموح حروفه، والشعر غي
وأراك تعصر خمره وضح النهار
والوهم ينسج من ظلال الشمس في
أسرجتُ خيلَ الشعر، قُدتُ زمامَها
وأنا صُلبتُ، وهام حزني، فيه كي
وهذه أفضل بداية في تعظيم شأن الشعر، وبيان رسالته العظيمة؛ تحاول الشاعرة كبح جماحه، وتقليم مخالبه، حتى لا تهوي إلى شطحات الأفكار، وتداعيات الأسرار. وتحدد لنا مواعدته في وضح النهار، ففي قصائدها يتبين لنا أنها تفضل أن تكون المواعدة مع الشعر في البكور، على عكس الآخرين الذين يهيمون بالليل، يعتبرونه حافظا للأسرار، وباعثا للأفكار.

تنتقل الشاعرة من البداية إلى فكرة رئيسة في بؤرة اهتمامها، وهي مبعث الحزن والألم، الحزن عم الأفق، وقارب القلب، وسكن العيون، تداعت ذكرياتها، وتجولت في أفقها الحالم، فامتهنت حرفتها الأساسية التي ورثتها عن جداتها القدامى، رثاء الموتى، وتذكر مآثرهم، فانبعثت من أعماقها الذكرى تلو الذكرى، فرادوتها الأحزان ألما وحسرة على فراق من رحلوا من عالمها.
وتداعت الذكرى فعن بخاطري
أصوات من رحلوا، تراودني بوي
ولا تخجل الشاعرة من كشف ضعفها الأنثوي، وانهيارها أمام تداعي الذكرى الأليمة فتلوذ بالذات وتناجيها، تسائلها، ولم تجد عندها ما ترتاح إليه من إجابات شافية، فتشعر بالاستلاب الروحي والمادي معا.
يا غربة ألفيت فيها جنتي
فيها ارتحال الروح أسئلة وعَي
بهذه الدرة الفريدة من الشعر تستهل ديوانها العامر بالألم، والحب، والطبيعة.

ومكامن الألم في الديوان متنوعة الروافد والمنابع، تارة من الفقد، والانكفاء على الذات تارة أخرى. الفقد معلوم أثره في النفس، فقد عزيز أو حبيب، فقد أيام كانت آهلة ثم أمست خرابا، أما الانكفاء على الذات فهو عين الحزن ورأسه. فتأملات النفس الإنسانية هي نزعة الحرية التي تطل بها الشاعرة إلى الكون، ولا سيما عندما يشعر المرء بنفسه، وتمتلئ نفسه ثقة فخرا، فيعظم نفسه ويعلي من شأنها ومن ثم تقول:
هنا الوفاء
وهاهنا أدبي
من تالد الأمجاد
كالذهب
الشعور بالأنا وتضخم الذات سمة موضوعية، وتيمة فنية؛ فقد نقرأ شعرا لشاعر أو شاعرة ولا نجد له شيئا من التأملات الذاتية؛ لأن ذاته تلاشت في ذوات الجماعة أو القبيلة، فنجد الشاعر ذائبا بروحه وحسه في صوت الأفراد، والشعر في جوهره ذاتي الطبع، يعنى فيه بالنظر إلى النفس والذات، أما في شعر القبيلة أو الجماعة فإن التأملات فيه نادرة الوجود. ومن هنا فشعر وفاء بنت سالم الغامدي ذاتي النزعة، مفعم بالتأملات الذاتية للنفس وللوجود والطبيعة.
وأولى خطوات التأملات الذاتية تكمن في النظر والترقب لعلاقة الشاعر بخالقه، فهي علاقة تقوم على تيقن الشاعرة بأن الله يعلم ما يدور في النفس، وما تخفي الصدور، وفي هذا التيقن دعوة صريحة عبر أفعال الأمر المتتالية، والاستفهام، والنداء، ووسائل لغوية تنبه القارئ وتشد انتباهه إلى فقه الحياة، وفقه الواقع، فتقول في قصيدة”فقه”
زَوِّدْ رِكابَكَ بالتُّقى ترويحا واركضْ بقلبك سالما وجريحا
وابذل ندى الراحات في إحسانها بذلَ المبرة مخلصا ونصيحا
ماذا الذي يشري المكاسب بالدحى فقهُ التجارة أن يبيعَ ربيحا
يا جنةَ اللهِ امنحينا دعوة نلقى بها من طيب نشرك ريحا
ولو تأملنا أساليب الأمر، والاستفهام، والنداء، في الأبيات لوجدنا دعوة صريحة من الشاعرة إلى التمسك بالقيم الدينية، والمبادئ السليمة النابعة من لدنها خبيرة بأدواء النفس الإنسانية، ومدى استقامتها إذا تمسكت بفقه الواقع، وألا مفر من الله إلا إليه، فلا نجاة وملا مفر إلا إذا عدنا إلى هذه القيم التي دعت إليها الشاعرة في أسلوب دعوي مباشر وصريح، لأن المناسبة الدينية لا يلزمها مجاز أو تورية بل مباشرة صريحة.

اقرأ ايضا:

حين يغيب الجميع.. قصيدة «كامل العدد» تطرح سؤال الوطن والإنسان للشاعر أسامة مهران

لوجه الله| أسامة مهران يكتب: “شحاتة” و”ريهام” وفاتنات “النيابي”

الناقد أحمد فرحات يكتب: الشعر ليس صناعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى