الناقد أحمد فرحات يكتب: رسالة من برلين

بقلم الناقد أحمد فرحات

أحب العقاد مي زيادة حبا جما، ولا ضير في ذلك. فالعقاد بعبقرياته الدينية، وجبروته وسلطانه وهيمنته، وشدة سطوته، لم يخجل من إظهار عاطفته وحنينه وشوقه إلى مي. فقد تعرف العملاق إلى يمامته الصغيرة مي في صالونها المنعقد في القاهرة، حيث انفتحت على أجواء النهضة الثقافية والحضارية الموجودة في القاهرة آنذاك، فكانت تعقد ندوة أسبوعية باسم «ندوة الثلاثاء» وكان يحضرها الكثير من فحول عصرها من أدباء وشعراء ونقاد.

وكان من أبرزهم: أحمد لطفي السيد، وأحمد شوقي، وعباس العقاد، وطه حسين، وشبلي شميل، ويعقوب صروف، وخليل مطران، ومصطفى صادق الرافعي، وغيرهم، وقد أغرم الكثير منهم بمي، إلَّا أن قلبها لم يمل سوى لشخص واحد هو جبران خليل جبران، الذي ظلت مأخوذة به طوال حياتها، وتبادلا الرسائل مدة عشرين عامًا برغم أنهما لم يلتقيا ولو لمرة واحدة!

مع ذلك لم يأل العقاد من حبه لمي، في حياتها ومماتها، وقد تبادلا رسائل الحب بعد سفرها إلى أوروبا فكان يكتب إليها بعد كل إنجاز يحققه هو أو تحققه هي، وكان يستعذب ذكر اسمها في أبياته مترنما بحروفه، وكأنه يناديها من وراء كل حرف.
رسالة من برلين
كانت مي في روما ، ولكن حين وصلتها قصيدة العقاد بعدما بارحت روما إلى برلين في يوليو سنة ١٩٢٥، وفيها يُعبِّر عن شعوره نحوها، ويقول:
أنتِ في روما، وفي مصر أنا بعُدت شقتنا لولا النجاء
أرقب البدر إذا الليل سجا فلنا فيه على البُعد لقاء
وأرود الشعر في مثل الكرى فإذا فيه من الطيف عزاء
لما قرأت هذه الأبيات وسواها مما تضمَّنته القصيدة صادفت هواها، ووافقت شعورها، وشجعتها على أن تُصارحه بأنها تشعر بنفس الشعور الذي يشعر به، فأرسلت إليه من برلين بتاريخ ٣٠ أغسطس سنة ١٩٢٥ رسالة تقول فيها:

عزيزي الأستاذ
«أكتب إليك من بلد كنتَ دائمًا تُعجب بشعبه، كما أُعجب به أنا أيضًا، ولكن إعجابي بقصيدتك البليغة في معناها ومبناها فاق كل إعجاب، وقد اغتبطت بها غبطةً لا حدَّ لها، واحتفظت بها في مكان أمين بين أوراقي الخاصة خوفًا عليها من الضياع!

إنني لا أستطيع أن أصفَ لك شعوري حين قرأت هذه القصيدة، وحسبي أن أقولَ لك إن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان.
بل إنني خشيتُ أن أفاتحكَ بشعوري نحوك منذ زمن بعيد، منذ أول مرة رأيتكَ فيها بدار جريدة «المحروسة». إن الحياء منعني، وقد ظننتُ أن اختلاطي بالزملاء يثير حميَّة الغضب عندك، والآن عرفتُ شعورك، وعرفتُ لماذا لا تميل إلى «جبران خليل جبران»!»

وكانت «مي» تُقدِّر جبران، وقد كتبت عن كتابه «المواكب» مقالًا أثنت عليه ثناءً جميلًا، وكان العقاد له رأي خاص فيه، ولكنها بطبيعة المرأة ظنَّت بعد تصريحه بشعوره نحوها أنه يغار منه حين تتحدث عنه!
ثمَّ قالت في نهاية الرسالة:

«… لا تحسب أنني أتهمك بالغيرة من جبران، فإنه في نيويورك لم يرني، ولعله لن يراني، كما أني لم أره إلا في تلك الصور التي تنشرها الصحف، ولكن طبيعة الأنثى يلذُّ لها أن يتغاير فيها الرجال وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها! أليس كذلك؟!

معذرة، فقد أردتُ أن أحتفي بهذه الغيرة، لا لأضايقك، ولكن لأزداد شعورًا بأن لي مكانة في نفسك أُهنئ بها نفسي وأُمتِّع بها وجداني؛ فقد عشت في أبيات قصيدتك الجميلة، وفي كلماتها العذبة، وشعرت من معانيها الشائقة، وفي موسيقاها الروحية ما جعلني أراكَ معي في ألمانيا على بعد الشُّقَّة وتنائي الديار.
تغزل العقاد في جه مي الصبوح ، وصرح باسمها في كل بيت يدعوها باسمها؛ فيقول لها:
يا مى يا مى ذاك اسم أو نمه تغنى حلاوته عن كل تلقيب
كجوهر فى يد اللآل قد نفست..به أنامله عن كل تركيب
وإن لى رغبة يا مى ضارعة..فلا تضنى بها يا خير مرغوب
وأنت معبودتى يا مى ما ظفرت عينى بتمثال حسن منك مرقوب..
تمضى الأسابيع بالساعات أحسبها ولا ثلاثاء إلا بعد تغبيب.
إنى كعهدك طماع فلى أمل..مغرى بأجمل وهاب وموهوب.
وعندما ماتت مي رثاها العقاد بقصيدة يلتذ فيها بذكر اسم مي، يمكنك أن تحصي عدد تكرار اسم مي في الأبيات:
أَيْنَ فِي المَحْفِلِ «مَيٌّ» يَا صِحَابْ ؟
عَوَّدَتْنَا هَا هـُنَا فـَصْـلَ الخِطابْ

عَرْشُـهَا المِنْبَرُ مَرْفـُوعُ الجَنَابْ
مُسْـتَجِيبٌ حِيْنَ يُدْعَى مُسْتَجَابْ

أَيْنَ فِي المَحْفِلِ «مَيٌّ» يَا صِحَابْ ؟

***
سائلوا النخبة من رهط الندىْ
أين مي؟ هل علمتم أين مي؟

الحديث الحلو واللحن الشجيْ
والجبين الحر والوجه السنىْ

أين ولى كوكباه؟ أين غاب؟

***
أسف الفن على تلك الفنون
حصدتها، وهي خضراء، السنون

كل ما ضمته منهن المنون
غصص ما هان منها لا يهون

وجراحات، ويأس، وعذاب

***
شيم غرٌّ رضيات عِذاب
وحِجى ينفذ بالرأي الصواب

وذكاء ألمعي كالشهاب
وجمال قُدُسي لا يعاب

كل هذا في التراب! آه من هذا التراب!

***
حي «ميا» إن من شيع ميا
منصفًا حيًا اللسان العربيا

وجزى حواء حقًا سرمديا
وجزي ميا جزاء أريحيا

للذي أسدت إلى أم الكتاب

رحمة الله على «مي» خصالا
رحمة الله على «مي» فعالا

رحمة الله على «مي» جمالا
رحمة الله على «مي» سجالا

كلما سُجل في الطرس كتاب

***
ردَّ ما عندك يا هذا التراب
كل لب عبقري أو شباب

في طواياك اغتصاب وانتهاب
خلقًا للشمس أو شم القباب

خلقا لا لانزواء واحتجاب

***
ويك! ما أنت برادٍّ ما لديك
أضيع الآمال ما ضاع عليك

مجد «مي» غير موكول إليك
مجد «مي» خالص من قبضتيك

ولها من فضلها ألف ثواب

هذه صفحة الكاتب على فيسبوك لمن يرغب في التواصل معه:

اقرأ ايضا:

الناقد أحمد فرحات يكتب: موت الشعر العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى