الناقد أحمد فرحات يكتب: ناهده شبيب
الناقد أحمد فرحات
تعلن الشاعرة السورية ناهده شبيب عن حزنها وألمها ليس لفراق محبوب أو معشوق بل على فراق وطن بأكمله ، تجسد هذا الوطن في صورة أم حنون وافتها المنية أثناء كتابة القصيدة، فامتزج العام بالخاص ، وفي القصيدة تجسيد لكل معاني الألم على تذكر الأم فتقول باكية:
على مفرقِ الأوجاعِ والصبحُ وادعٌ
تلمّ انكسارًا شابَ ملّ اكتئابَها
وتُغري نجوم العين في زرقةِ المَدى
إذا خلعتْ للبدرِ ليلًا ثيابَها
تداعى الذكرى للابنة في تذكر الأم وجمالها في شبابها ثم ضياع الشباب وحلول الشيب عن طريق ضفيرة شعر تلك المعادل الموضوعي للتعبير عن الذات وحرقة الفراق..
ضفيرتُها العذراءَ عشرونَ موسمًا
تُبين اختلافَ العطرِ مهما تشابَها
تقولُ غدَتْ بيضاءَ ما بالُ لونُها
وهلْ بارقٌ في الليل بالخوفِ شابَها
لثغرٍ بجمرِ الوجدِ يغريك حسرةً
يسائل ربَّ الحُسْن يرجو طلابَها
وسيّافُ ذاكَ العمرِ ينهالُ ساخطًا
على نخلةٍ في الصّدرِ ينوي اِحتطابَها
تُراها تغضُّ الطَّرْف إنْ عدتُ نادما
وهل ترفع الأوجاع عنّي حجابها
ولما تحولت الذكرى إلى واقع أليم راحت تتمثل الموقف المهيب للتعبير عن لحظات الموت التي لم ترها ولم تشهد وقائعها فتصور الأم وهي تسأل عن الابنة المغتربة…
تسائلهم عني…… فيروون قصة
هنا في رحاب النيل أغلقت بابها
لنرجسةٍ في الشّامِ ظمأى لقبلةٍ
إذا تلثُمُ الكفينِ تُهدَى ثوابَها
أريكتُنا في الدّارِ تشتاقُ عطرنا
عليها غبار الوجد ماقطّ عابها
وهي في غمرة حزنها والتياعها على الفقد يجيء النصر كتعبير عن الهم العام الذي كان يوما ما في انفتاح سجون سوريا وخروج الناس إلى الحرية ..
وفتحٌ بعون الله في الصبح هاطلٌ
كأنّ سيوفَ النّصرِ فضّتْ جرابَها
تصالحْ!؟ وهذي الرّوحُ من شدَّةِ الأذى
تعضّ شفاه الجرحِ أدمت خضابَها
وكيف انشراح الصدر والناس جمرةٌ
على حرقة الملهوف تكوي حرابَها
فتَقنا بطونَ الأمسِ من سُخْم ما بها
فقلنا لوجه الله….أعتق رقابَها
والقصيدة برمتها آهة ملتهبة، كتبت بطريقة الشعر الكلاسيكي العمودي، على خلاف وداد بن موسى التي اعتمدت قصيدة النثر وغرابة الموضوع والجرأة في التعبير، أما ناهده شبيب أطرت تجربتها بالحزن والذكرى الحلوة للأم . وجاءت القصيدة صرخة قوية في وجه أعداء الوطن ولملمت ذكريات الأم بنغمة الطويل وقافية قوية مستمدة من ماضي البحر الشعري وقوة القافية مطية لإثبات جدارة مستحقة .
ونحن لا نقارن من قريب أو بعيد بين شاعرتين تألما وأعلنتا الحزن عنوانا لعالمهما والضياع الناجم عن الفقد بل من مبدأ الشيء بالشيء يذكر فإن الشاعرة المغربية وداد بن موسى تعيد زوبعتها المنشورة في ديوان ” زوبعة في جسد ” صادر عن منشورات مرسم في طبعته الأولى 2008 ، تعيد اجترار أسلافنا العرب ممن جهر بالحب والتعبير عن الجسد الملتاع في جرأة وميوعة. فهي تتجرد من الخجل، وتعلن المحبة في لغة شفيفة دقيقة واضحة كاشفة عن شبق أنثوي فتقول:
وليس لي أن أتفرغ لجنونك هذا الصباح…
وليس لي نية أن أباغتك بقبلة أخرى…
ولست مجبرة أن أغير تسريحة شعري …
وليست المصابيح التي أطفأناها أمس كي
نندس في كلانا إلا إعلانا عن خجل كاذب
ولست أحبك حين تخرج قلقك من جيب
سترتك الجلدية ……………………..
وليس لديك علي سلطان ……………
ولست أحتمي بك مني ، بل أحتمي بي منك
لأنك الطوفان ……………………………..
لعلنا نلتقط من معجمها كلمات وعبارات دالة كالقبة الأخرى، تسريحة الشعر، إطفاء المصابيح، نندس في كلانا، الخجل الكاذب، ثم تصوير المعشوق بالطوفان.. كلها عبارات خادشة جريئة من الصعب جدا أن تخرج من قلب أنثى يرتوي بالحب بل هي التعبير بالجسد عن عاطفة قلقة ، تبحث عن الأمان والدعة والهدوء.
لا تتركني بعدك في الشقاء الأعنف
خذني فيك
نجري سويا تحت مياه الأبد
ونطفئ معا فتيل آخر نبضة
الشقاء الأعف – مياه الأبد –فتيل النبضة.. كل هذا يعبر عن أنساق ثقافية متوارثة من الأجداد القدماء الفرق الوحيد بينها وبين أجددها القدماء أن الرجل هو من كان يجأر بالشبق كما في قصيدة المتجردة الأب الشرعي لهذا الانثيال الشبقي الطاغي . فهي تكشف من خلالها عن المجاهل المتخفية من الجسد بنوع من الاحتشاد ، كي تلهب لذة الآخر … فالزوبعة هي القاسم المشترك في كل قصائدها ، كتعبير عن الانكسار النفسي والجسدي معا .لذا لا تتورع أن تسأل
لماذا أذل جسدي ؟
ولست به
سوى واجفة
تنأى وتبتهل
في براري الرغبة ؟
صفير الرغبة يعلو هسيس اللذة جسور
تناجي الكون كله والموجودات والجمادات والإنس والجن وتدعوها إلى مشاركتها زورعتها بكل شغف وقوة وجسارة فوداد بن موسى تحترق من ألهما وتطلب المساعدة فتقول:
على العائدة من موتها أن تتجاسر على الحياة
على الورد أن يصغي لألمي
على تلك السنديانة أن تنطق بأسرار عذاباتي
على الحائر أن يتعثر في حيرته
على الهدهد الخائب أن يغادر نافذتي
وعلي أن أفاخر بكوني ذهبت أبعد في الحزن
لم يجنحني سوى النسيان
تعبر وداد عن التياعها للرجل بضمير الأنا الأكثر قوة في التعبير عن العواطف الدفينة عن حرقة الذات. فتبدأ في التوسل إليه عن طريق الموجودات والبيئة المحيطة..
عشرون عاما وأنا أتهيأ لهكذا ضياع
أرهف السمع لخطواتك على السلم
وأتوسل الليل أن يأتي باكرا
اقرأ ايضًا:
الناقد أحمد فرحات يكتب: هدى الزهراني

