حسين عبدالعزيز يكتب: من الآيس كريم إلى كرة القدم
بقلم: حسين عبدالعزيز
إن تناول الآيس كريم لا يمكن أن نحصر له فائدة تُذكر، لكن يمكننا بسهولة أن نُحصي له أكثر من ضرر. أولها، إذا كان من يتناوله مصابًا بمرض السكر، فإن ذلك قد يؤدي إلى مضاعفات هو في غنى عنها. أما إذا كان يعاني من مشكلات في الأسنان، فيكفينا ويكفيكم شر هذا المرض، إذ سيكره نفسه في اللحظة التي تناول فيها هذا الشيء الذي لا يحمل فائدة حقيقية.
وفائدة الآيس كريم، في المقام الأول، تعود إلى صاحب المصنع والبائع فقط، لا إلى المستهلك.
كرة القدم.. من لعبة إلى «دين جديد»
ومن هنا، ومن هنا فقط، ننتقل إلى كرة القدم، التي تحولت إلى ما يشبه دينًا جديدًا. (ولي مقال منشور منذ سنوات بعنوان: كرة القدم دين جديد). نحاول أن نفهم كيف تحوّل هذا الشيء العبثي إلى أمر بالغ الأهمية، بل إلى حالة إدمان لدى قطاع واسع من البشر حول العالم.
ويعود الفضل الأكبر في ذلك إلى شركات الإعلان، التي تتفنن في صناعة منتج شهيّ للغاية، يجذب المُعلن المتعطش للظهور سواء على المستوى العالمي أو المحلي. وأصبحت للإعلانات ميزانيات مفتوحة بلا سقف، يمكن أن تتضخم وتزداد من أجل تحقيق الأرباح.
كل ما يحدث في عالم كرة القدم اليوم هو إعلان ومُعلن ومُشاهد، قد يتأثر بالإعلان بطريقة أو بأخرى. ومن هنا تضخّمت قيمة اللعبة، لتصبح شبيهة بالسجائر؛ لا يمكن الاستغناء عنها، رغم ضررها.
اختلال القيم وصناعة «الأبطال الوهميين»
ومن هنا نفهم كيف اختلت منظومة القيم، منذ أصبح من يركل الكرة ويُحرز هدفًا يُعد بطلًا قوميًّا لا يجوز المساس به. وظهرت الفيفا لتتحول إلى ما يشبه أقوى حكومة في العالم، لا يمكن المساس بأحد من مواطنيها، وقراراتها واجبة النفاذ على الجميع.
نجد من يخرق قرارات الأمم المتحدة، لكنه لا يستطيع أبدًا خرق قرارات الفيفا، التي أصبحت سيفًا مسلطًا على رقاب الناس.
الأدباء وكرة القدم
وهنا لا بد أن نتذكر دهشة الأديب الكبير توفيق الحكيم، وهو يتحدث عنها بحسرة قائلًا:
«انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم».
ولدى الأدباء آراء عديدة حول كرة القدم، فنجد نجيب محفوظ، الذي كان لاعب كرة في طفولته، حيث لعب ضمن فريق المدرسة الابتدائية. ويقول الراحل نجيب محفوظ للناقد رجاء النقاش:
«قد لا يصدق أحد أنني كنت يومًا كابتنًا لفريق كرة القدم، واستمر عشقي لها نحو عشر سنوات خلال المرحلتين الابتدائية والثانوية، ولم يأخذني منها سوى الأدب، ولو داومت على ممارستها، ربما أصبحت نجمًا من نجومها».
كما لا يمكن إغفال علاقة الروائي الجزائري المولد، الفرنسي الجنسية ألبير كامو، بكرة القدم، حيث لعب كحارس مرمى، بعدما أجبرته جدته على هذا المركز حتى لا يُتلف حذاءه، إذ كانت ترى اللعبة مضيعة للوقت والمال.
من كرة القدم إلى السياسة.. نموذج ذكي بدر
ولا أدري لماذا تذكرت الآن وزير الداخلية الراحل ذكي بدر، وكيف خرج من الوزارة بفضيحة لم يشهدها من قبله أو بعده أحد.
ولو أن الرئيس الأسبق حسني مبارك اتخذ موقفًا حاسمًا تجاه تجاوزات هذا الوزير منذ البداية، لما تمادى في الهجوم على كل من يعارض النظام. لكن الوزير أُطلق لسانه كـ«الفرقلة»، يجلد بها خصوم النظام، في مشهد يُشبه ما قاله «حسونة بيه» في فيلم الأفوكاتو.
إلى أن جاءت واقعة مؤتمر بنها الشهير، حيث تجاوز الوزير كل الخطوط، ووجّه شتائم علنية للمعارضة والحكومة معًا، وامتد هجومه ليشمل شخصيات سياسية وفكرية ودينية بارزة، بل وبعض الوزراء والمحافظين بألفاظ نابية.
وكانت تلك الواقعة هي القشة التي قصمت ظهر الوزير، بعدما استمع الرئيس إلى تسجيلات المؤتمر، التي قُدمت له خلال زيارة كل من فؤاد سراج الدين وإبراهيم شكري للقصر الجمهوري، لتنتهي القصة بإقالته.
اقرأ ايضا:
سلوى محمود تكتب: مؤتمر الأدباء بالعريش: شهادةُ حقٕ لتعديلِ مسار
