«لا تعترف».. قصيدة جديدة للشاعر حسن مأمون
تأتي قصيدة «لا تعترف» للشاعر حسن مأمون كصرخة وجودية مكتومة، تتكئ على فعل النهي بوصفه مقاومة داخلية لا تهدأ، وتتشكل لغتها من تراكم الخيبات، وتوالي الانكسارات، وكأن الشاعر يحاور ذاته في مرآة الزمن القاسي.
القصيدة ليست دعوة إلى الإنكار بقدر ما هي تمرين على الصمود، فـ«لا تعترف» هنا ليست هروبًا من الحقيقة، بل احتجاجًا عليها، ومحاولة أخيرة للإمساك بالمعنى وسط عالم يتبدل فيه الأصدقاء، وتخون فيه البلاد، وتجف فيه الوجوه، ويتحول الحب من وعد بالخلاص إلى عبء ثقيل.
يعتمد الشاعر على تكرار اللازمة بوصفها إيقاعًا نفسيًا ضاغطًا، يعكس تشظي الذات، ويمنح النص وحدة شعورية عالية، بينما تتوالى الصور الشعرية محمّلة بالرمز: الجب، البراق، الحبيبة، البحر، النهار، وكلها إشارات لرحلة الروح بين الأمل والانكسار.
نص قصيدة لا تعترف للشاعر حسن مأمون
لاتعترف
بان البلاد التى
قد حوتك زمانا طويلا
رمتك فى أول المنعطف
لاتعترف
بان الصحاب
الذين تباروا عليك
القوك فى الجب
دون امرأة ولا مكتشف
لا تعترف
بان المساءات صارت حزينة
وان الصباح الذى
كنت تعانقه كل يوم
قد ارهقتك ظنونه
وان الحديث الذى
كنت تصبو إليه
قد طارتك شجونه
وان الشفاه التى
كنت تراقصها كل حين
باتت عليك ضنينة
فكنت الفؤاد الذى يرتجف
لا تعترف
بان الضياء الذى
كان يسمو بوجه الحبيبة
صار عقيما وجف
وان النهار الذى
كان يلهو
ويضحك فى كل ركن نشف
لاتعترف
بان البراق الذى
قد سراك
بمحراب روحك للمنتهى
قد خلاك وحيدا فى المنتصف
وان الزمان الذى
كنت تصبو
إلى زرقة البحر
تشدو على شاطئيه اختلف
لاتعترف
بانك كنت تراود عشقا
تمنى عليك بأن تعتكف
وان البهاء الذى
كان يعلو بوجه الحبيبة
قد صار شيخا كسيحا خرف
لاتعترف
بان العيون التى
أمرتك الإمارة
رفعوا سمائك عرشا نديا
ثاروا عليك
وخلوك ذكرى
لعهد بئيد نزف
لا تعترف
بانك صرت تقاوم عمرا
يشد خطاك إلى ال٠٠٠٠
وقد تعترف
بانك صرت خيال مآتة
وصوتك اضحى نشازا
يؤرق كل الحضور انصرف
لا ٠٠٠ لا ٠٠٠٠ لا تعترف
وفي قصيدة «لا تعترف» لا يكتب حسن مأمون عن الخسارة فقط، بل عن مقاومة الاعتراف بها، عن الإنسان الذي يقف في المنتصف: لا منتصرًا ولا مهزومًا، بل مثقلاً بالأسئلة.
والقصيدة تنجح في تحويل الألم الشخصي إلى تجربة إنسانية عامة، تتجاوز حدود الذات إلى القارئ، فتجعله شريكًا في هذا التوتر الداخلي بين الصمت والبوح.
إنها قصيدة عن زمن خائن، وحب يشيخ، وبلاد تلفظ أبناءها، لكنها في الوقت ذاته قصيدة عن الكرامة، وعن آخر ما يملكه الإنسان: أن يرفض الانكسار العلني، وأن يحتفظ بوجعه سرًا، حتى وإن صار «خيال مآتة» في نظر الآخرين.
قصيدة كثيفة، حزينة، ومشحونة بطاقة شعرية عالية، تؤكد حضور الشاعر وقدرته على تطويع اللغة لتكون شاهدًا على زمن الانكسار الإنساني.
اقرأ ايضا:
” حين أغمضتُ قلبي”.. قصيدة جديدة للدكتورة سيما حقيقي
أميرة المحمدي تكتب عن الحب القاسي والخذلان في قصيدة ” مش إنسان”



