د. سيما حقيقي تكتب: حين يصبح الفن طريقًا للعبور

بقلم: سيما حقيقي

يقترب الإنسان من الفن في لحظة لا تشبه البدايات المعتادة، ليست لحظة قرار، ولا بحثًا عن موهبة، بل اقتراب هادئ من شيء داخلي لم يجد طريقه بعد. في تلك اللحظة، يكتشف أن ما بين يديه ليس لونًا أو خطًا أو كلمات، بل مساحة مفتوحة على الداخل. مساحة لا تطلب شرحًا، ولا تنتظر نتيجة.

الفن لا يأتي غالبًا حين نكون بخير، بل حين تتكدّس المشاعر بلا لغة. حين يصبح الكلام أثقل من البوح، وتغدو الشكوى بلا جدوى. عندها، تتحرّك اليد بثقة صامتة، لأنها تعرف الحاجة قبل أن تعرف النتيجة.

في هذا المعنى، لا يكون الفن فعلًا جماليًا بقدر ما يكون فعل إنصات، إنصات لما يتحرّك في الداخل دون ضجيج. وما نفعله حين نرسم أو نكتب أو نشكّل، ليس إخراجًا للألم بقدر ما هو منحه شكلًا يمكن النظر إليه. فما نستطيع رؤيته، يفقد شيئًا من سلطته علينا.

ومع التكرار، تبدأ التجربة في التبدّل، لا يحدث ذلك دفعة واحدة، ولا بشكل درامي، بل كما يحدث التحوّل الحقيقي دائمًا: ببطء، وبهدوء، وبخطوات صغيرة لا يلاحظها أحد. كل خطّ يخفّف، وكل لون يفتح مساحة تنفّس، وكل فراغ متروك يقول ما لم تقله الألوان والخطوط.

الفن لا يعدنا بالحلول، لكنه يمنحنا الصدق. مساحة نكون فيها كما نحن، دون أداء، دون أقنعة، ودون حاجة لإقناع أحد بشيء، نرتّب الفوضى دون إخفائها، لنفهم شكلها. وفي هذا الفهم، تتشكّل مسافة دقيقة بيننا وبين ما يُتعبنا؛ مسافة تسمح لنا أن نهدأ، وأن ننظر دون خوف.

ومع الوقت، تتغيّر علاقتنا بالفن. لا يعود تجربة فردية صامتة فقط، بل إمكانية لأن نعيش هذا المعنى داخل مساحة تسمح لنا بالمحاولة دون قلق، أن نخطئ، أن نضحك بلا سبب، وأن نكتشف أن الفرح قد يأتي من فعل بسيط… من إنهاء عمل صغير، من لمس إنجاز لا يُقاس بمعايير الآخرين.

في تلك المساحات، لا يُطلب من أحد أن يكون فنانًا. لا تُقاس النتائج، ولا تُقارن الأعمال. يُطلب فقط اختيار الألوان وسكبها على سطح اللوحة، وحين ينتهي الإنسان من عملٍ صنعه بيديه، حتى لو بدا بسيطًا، يتكوّن شعور خفيف بالإنجاز. ذلك الشعور الذي يوقظ الطفل في الداخل، ويمنحه سببًا للابتسام من جديد.

قد لا ينتهي الوجع، لكن حين يصبح له شكل، يتغيّر موقعه فينا. لا يعود مركز الثقل، بل جزءًا من المشهد. وهنا، يصبح الفن رفيقًا ومنقذًا؛ داعمًا دون أن يكون بديلًا عن الحياة. طريقة نمرّ بها، دون أن نهرب.

في اللحظات التي تخذلنا فيها الكلمات، يمدّ اللون يده، وتتكفّل الورقة بالاستماع. فالفن لا يُقاطع، لا يُقيّم، ولا يطلب تبريرًا، بل يتركنا نكون كما نحن من الداخل… وهذا وحده كافٍ أحيانًا.

كل مرة نعود فيها إلى الفن، نعود إلى أنفسنا بنسخة أخف. وحين يكتمل العمل، حتى لو كان بسيطًا، نشعر أننا عبرنا شيئًا ما؛ أننا قلنا ما عجزنا عن قوله، ثم خرجنا من التجربة وفي أيدينا شيء يشبه الضوء.

فنجد أن الفن لا يقودنا بعيدًا عن ذواتنا، بل يُعيدنا إليها بخفّة، قد يكون مسارًا نكتبه ببطء، بخطّ مرتجف أحيانًا، وبألوان لا نعرف معناها تمامًا… لكننا نشعر بها. وما دمنا نُصغي لذلك الصوت الخافت في الداخل، فثمة طمأنينة صغيرة تتشكّل، وشيء يشبه الفرح يعود إلى مكانه الطبيعي.

ليس لأننا شُفينا تمامًا،
بل لأننا تذكّرنا كيف نهدأ،
وكيف نُنجز،
وكيف نمنح أنفسنا مساحة صادقة…
نكون فيها كما نحن،
ونخرج منها أخفّ مما دخلنا.

وحين نغادر المساحة الفنية، نكتشف أن العبور لم يكن مؤقتًا، بل أثرًا يبقى معنا، في الطريقة التي نُصغي بها لأنفسنا، ويصبح طريقًا نعبر به من الداخل إلى محطات الحياة.

اقرأ ايضا:

«غدًا.. سأحاول ثانيةً».. قصيدة جديدة للشاعر أسامة مهران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى