الناقد أحمد فرحات يكتب: عالم محمد مدخلي القصصي
الناقد أحمد فرحات
تشغل الآن القصة القصيرة مكانة بارزة في المملكة العربية السعودية، وقد أدرك كتابها أهمية الدور الذي تلعبه القصة القصيرة كجنس أدبي مستقل، يساهم في الارتقاء بالذوق والاهتمام بمتعة القراءة ولذتها.
ويأتي صوت محمد مدخلي عاليا في عالم القصة القصيرة، يثب بأعماله القصصية فوق هامات أقرانه، وذلك لعمق قصصه وعلو نبرة الإجادة الفنية، واتجاهاته المجتمعية المتداولة في الواقع المحيط به، فهو يلتقط مادته القصصية من واقعه المعيش، ومجريات الأحداث اليومية التي يتعابعها عن كثب، فتصل قصصه إلى وجدان المتلقي من أيسر سبيل للوصول.
يشتبك المدخلي مع الواقع تأثيرا وتأثرا، وشدا وجذبا، محولا واقعه إلى سحر فني حلال، في لغة جليلة، شفيفة، رقراقة، لغة سردية بامتياز، تعتمد على التكثيف والتركيز وعدم الحشو والزيادة. كما تتكئ لغته على المراوغة، ومفاجأة القارئ، ففي قصصه التي قرأتها له(عجاج/ملاذ/تركة) تشعر وأنت تنتقل من قصة إلى أخرى أنك تمشي على جمر، لجودتها وإحكام صناعتها، ودقة لغتها. فلا مجال للترهل اللغوي، أو الترادف الممل، بل أنت واجد نفسك تغوص في عالم من الجمال والمتعة واللذة.
تعالج قصص المدخلي قضايا شائكة في الواقع، تجمعها إطار واحد تقريبا هو القسوة والعنف، قسوة الأبناء للوالدين أو أحدهما، قسوة الطبيعة على الأسر الفقيرة، قسوة الآباء على الأمهات في العلاقات الخاصة. فالقسوة خيط شعوري واحد يجمع بين تلابيب القصص جميعا. ففي قصة عجاج يصف الكاتب شخصية الأب في قسوة فهو يعود منتصف الليل ثملا، يصرخ في وجه أمه، صوته خشن غليظ، يعاملها بقسوة وعنف، لكنه بدا في نهاية القصة رحيما، طيبا، حانيا على ولده، وقد زال غضبه، وتبدلت قسوته إلى رحمة وحنو. فالقصة رغم قصرها فإنها مؤثرة في المتلقي لما تحمله من مضامين فكرية ومحتوى فني فخم.
وفي قصة (ملاذ) تجد قسوة الطبيعة على أبنائها المعوزين بارزة، ولا سيما إذا جاء الشتاء بموكبه الفخم،فيعري الأسر الفقيرة، بمدخراتها ومكتسباتها البسيطة، فالجدة والابن المعوق يمثلان الطبقة الفقيرة في المجتمع، وتبدو أواصر التكافل المجتمعي فيمن حاول حمل المتاع المبتل، واستغاثة الجدة بالجيران، لنجدتها. تعالج القصة مضمونا قاسيا لبعض المجتمعات التي تعاني العوز والحاجة، وعلى الرغم من مشاركة أفراد المجتع وتأزرهم مع الجدة، فإن على المجتمع الأكبر مسؤولية أكبر.
وفي قصة(تركة) يعزف القاص على وتر القسوة أيضا، لكنها قسوة الأبناء تجاه آبائهم، فينتهي المطاف بالآباء ي در مسنين، بعد أن أفنت الأم صحتها في رعاية أبنائها. وتتجلى المفارقة من خلال ما تحمل الذكريات الطيبة، مع ما آلت إليه الأمور في ختام رحلة الحياة. وتمتاز قصص المدخلي بخاصيتين: الواقعية الاجتماعية، والتأثير المباشر في المتلقي، من خلال لغة شفيفة، مكثفة جدا، لتكون كالطلقة السريعة صغيرة لكنها مميتة، وقاتلة. كما نلاحظ على هذه القصص ميلها إلى الفعلية، على حساب الجمل الاسمية، بلّلتُ فمه بالماء، ثم عمدتُ إلى قطعة من القماش، لففته بها،.. حين حلّ الفجر، أسرعتُ إلى المطبخ، فتحت الباب بهدوء، فسمعتُ سقسقة خفيفة.
ما زال على قيد الحياة…. بالإضافة إلى البدايات الفعلية البارزة في جميع القصص التي قرأتها للمدحلي: يعودُ منتصف الليل ثملاً، … ارتعشَتْ الشمعة… ” حينَما كنتَ صغيراً، كُنتُ أُوليكَ اهتماماً خاصاً، ترافقني كروحي، فنلاحظ أن البدايات فعلية غير اسمية لتجسيد الأفعال للأحداث، وتطورها عبر بناء فني محكم، يساعد على تصوير الحدث، وتمثيله في صورة بارزة للعيان، وكأنها مشاهد سينمائية متفرقة يجمعها إطار فني واحد.
أما العناوين فإنها تميل إلى التكثيف الشديد، فجاءت جميعا من كلمة واحدة، ذات مغزى فني، يكتمل بها البناء القصصي، هي جزء أصيل من النص القصصي، يؤدي دوره في البناء الفني. فالعجاج اسم الطائر الصغير، واسم الأخ الذي توفاه الله، يستمد مدلوله من العجاج الذي هو بمعنى الدخان أو الغبار الذي يظهر ثم يختفي، بعد أن يملأا الدنيا إثارة وصخبا. وكأنه يطهر المكان من آثار الميكروبات المنتشرة في الفضاء ليتجدد المكان وينشط ويمارس دوره. وهكذا الحال في عنوان ملاذ وتركة، فإنها جزء أصيل من البناء القصصي.
اقرأ ايضا:
الناقد أحمد فرحات يكتب: وفاء بنت سالم الغامدي ومنطق الطير

