الناقد أحمد فرحات يكتب: سينما الورق

الناقد أحمد فرحات

روضت سعاد عسيري السرد في رواية نبية وبيوت الموت عبر تقنية التبئر الداخلي والتبئير الخارجي معا ، وذلك عن طريق تجريد الراوي من مشاعره وأحاسيسه وتحويله إلى مجرد عدسة باردة ترصد ملامح الشخصيات المتاخمة في روايتها أو في تصوير الأمكنة ذات التاريخ والأصالة دون أن تفسر لنا الدوافع الداخلية فهي لا تخبرنا بأن هناك خطرا يداهم الفتاة مثلا بل تجعلنا نرى الخطر يتشكل بين فراغ الكلمات مما يرفع منسوب الوعي بالتوتر الإدراكي لدينا إلى ذروته. وذلك عندما تعرض عبر خطابها السردي مشكلات أترابها من أهل القرية كصديقتها نوم أو فطيم أو تعرض لأساليب الإزاء النفسي والجسدي من زوج الأم أم محسن وغيرها من الشخصيات التي عرضتها في الرواية، أو في تصوير صنوف الأطعمة والأشربة التي تمثل الموروث الشعبي لدى أهل عسير، كالمرقوق والشاي المخدر.

تنهج سعاد عسيري نهج الكتاب الكبار وهي تحرر النص من سلطة التفسير الجاهز، وتمنح القارئ فرصة ليكون هو المحلل النفسي للشخصيات. عبر كاميرا أشبه بكاميرا السينما لكنها على الورق.

التقنية الأخرى التي أفادت منها عسيري هي تقنية نظرة الطفل إلى العالم لأنه راو مقيد إدراكيا وهو يمارس ما يسميه الشكليون الروس التغريب أو اللا مألوف. فالطفل (نبية) يرى الأشياء عارية من حقيقتها قبل أن يكسوها البالغون بالمعاني الاجتماعية ، نبية الطفلة أصبحت تروي الأحداث المدية من جور زوج الأب بينما نحن نقرأ وندرك المدلول الكارثي لفعلها، فالطفلة تعرض الجريمة بكل براءة. فبراءة الطفلة غدت قناعا لا يرحم حيث تتحول الأحداث الخبيثة التي ترتكتبها زوج الأم إلى تسجيل لموجة العنف والقهر النسوي للطفلة البريئة. ولذا كثرت في الرواية عبارة(طلقها يا أبي) وهي عبارة تدل على الضجر والألم النفسي فأصبحنا نحن كقراء نرتجف عند قراءة العبارة الحادة العنيفة جراء بشاعة الحدث وقسوته. فالمؤلفة عسيري تهرب من وقار صوتها كمؤلفة إلى صوت طفل أملا في استعادة البراءة المفقودة.

التقنية الأكثر شيوعا في الرواية هي تقنية السيليبس بحسب معجم جيرار جينيت السردي يعرفه بقوله: هو نوع من اللازمنية حيث يتم تجميع الأحداث المتشابهة في مكان معين: غرفة معيشة، بيت الأب، الفضاء الصحراوي الشاسع، وفقا لمبدأ غير الزمنية وهنا نحن لا نتحدث عن سرد تقليدي استباقي أو ارتدادي بل نتحدث عن كتل سردية ترفض الانصياع لمبدأ التقويم لتصنع منطقها الخاص المستمد من جوهر الحكاية . فالزمن هنا لا يسير للأمام بل يتراكم فوق بعضه ليصور بنية الحياة التقليدية التي تتكرر فيها الأحداث لكسر رتابة الزمن التقليدي أو الفيزيائي مع تنبيه القارئ على التركيز على الدلالة المبتغاة بدلا من التناول الميسور للأحداث.

سعاد عسيري لا تروي الزمن بل تدرسه عبر المكان فالاسترجاع مرتبط عندها بالمكان لا بالزمان، المكان عندها ليس مكانا للطفولة فقط بل يمثل وحدة تأسيسية للوعي السردي. فالأمكنة هي مفاتيح الاسترجاع السردي. والذاكرة هنا لا تعمل زمنيا بل مكانيا.

يبقى أن نشير إلى أن الرواية تبدأ بمصحة نفسية عند الطبيب المعالج، وما أكثر الروايات التي تبدأ هذه البداية كرواية العصفورية لغازي القصيبي ورواية اللعنى لصمويل بيكيت، ورواية البحث عن الزمن المفقود مارسيل بروست ورواية التلصص لصنع الله إبراهيم، ورواية الطبل الصفيح غولتر غراس.
رواية نبية وبيوت الموت إضافة حقيقية لروايات المرأة السعودية التي تناضل ضد عبودية المرأة وقهرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى