الناقد أحمد فرحات يكتب: الشعر ليس صناعة

الناقد أحمد فرحات

ما زال الشعر العربي العمودي له سحره، ومتلقوه ينبهرون به في المحافل العامة والخاصة، فإليهم هذه الدراسة الضاربة في أعماق القديم.

يمثل رد العجز على الصدر حلقة مغلقة يرتبط فيها أول الكلام بآخره، حيث يرد اللفظ في الكلام، ثم ينمو بعده المعنى وصولا إلى خاتمة يتكرر فيها هذا اللفظ، سواء اتحد اللفظان في المعنى أو اختلفا فيه..

وقد قسمه ابن المعتزثلاثة أقسام:

1. ما وافق آخر كلمة في البيت آخر كلمة في صدره، أو كانت مجانسة لها.
2. ما وافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه.
3. ما وافق آخر كلمة من البيت بعض كلماته في أي موضع كان.

وما يهمنا من هذه الأضرب هو ما ورد من توظيف في سياق الشعر، كما يلي:

الأولى: ما كان اللفظان فيها مكررين: أحدهما في أول الصدر والآخر في آخر العجز كتكرير كلمة “مَارَسَ” في قول العباس بن مِرْدَاس(الطويل):

وَمارَسَ زَيدٌ ثُمَّ أَقصَرَ مُهرُهُ
     

وَحُقَّ لَهُ في مِثلِها أَن يُمارِسا

وتكمن القيمة الفنية في مثل هذا التكرار في البيت السابق أن الشاعر اختتم البيت بما بدأه، وكأنه يرهص بقافية البيت، وفي ذلك إثارة لطيفة وتشويق بارع، وهو من ناحية أخرى يمثل البداية التي يرغب الشاعر في بروزها، ثم تناميها، عبر عدة سياقات متداخلة من خلال الجمل البنائية للبيت، ثم العودة مرة أخرى إلى نقطة الانطلاق. فالشاعر بدأ البيت بالفعل الماضي (مارس) أي أن زيدا مارس هوايته في فنون القتال، وراح يضرب هنا، ويفتك  هناك، ولكن التقصير الذي أصابه، وربما كان سببا في تقاعسه عن القتال، أو ربما قتله، أن حصانه تراخى عن أداء مهامه، فراح الشاعر يلتمس له العذر، وذلك عندما قال عنه(وحق له في مثلها أن يمارسا) فزيد كان جديرا بالقتال، لولا تراخي فرسه. فكأن الشاعر هنا يريد أن يثبت ما بدأه رغم إهماله في المعركة، وبهذه الوسيلة الفنية اكتسب المعنى جمالا ورونقا، مرده تنامي هذا المعنى بإضافة عدة معاني جزئية إلى المعنى الأصلى، ومحاولة إشراك المتلقي معه في محاولته معرفة قافية البيت، ومن ناحية أخرى فقد أضاف هذا التكرار ألقا  موسيقيا تطرب له الأذن نتيجة تكرار البداية.  

ومن ذلك أيضا تكرير كلمة(دفع) في قول عَبّاد بن أَنْف الكَلْب الصَّيدَاوِيّ: (المتقارب)

دَفَعْنَا طَرِيفًا بأَطْرَافِنَا

وَبِالرَّاحِ عَنَّا وَلَمْ تَدْفَعُونَا

الثانية: وهي ما وقع فيه أحد اللفظين المتكررين في آخر البيت والثاني في حشو الصدر، كتكرير كلمة(العمائم) في قول نَافِع الغَنَويّ:

تُغَطِّي نُمَيرٌ بِالعَمَائمِ لُؤمَهَا

وَكَيفَ يُغَطِّي اللؤمَ طَيُّ العَمَائمِ

وعندما يكرر الشاعر القافية(العمائم) في حشو الشطر الأول فإنه يخلق لها مناخا مناسبا وتهيئة لها لدى المتلقي، ويشعر من طرف آخر بتماسك البيت الذي هو وحدة القصيدة.

ومن ذلك أيضا قول الحارث بن وَعْلَة الشيباني:

وتركتنا لحماً على وضمٍ      
 

لو كنت تستبقي من اللحم

الثالثة: وهي ما وقع فيها أحد اللفظين المكررين في آخر الصدر وآخر العجز. كما تكررت كلمة(تلوم) في قول قَتَادَة بن مَسْلَمَة الحَنَفِيّ (الكامل):

بكَّرَتْ عَلَيَّ مِنَ السِّفَاهِ تَلُومُنِي
       

سَفَهاً تُعَجِّزُ بَعْلَهَا وَتَلُومُ

ينبني البيت كله على الفعلين لمضارعين الدالين على الحال والاستمرار (تلومني-تلوم)، ومن تكرارهما تنشأ دلالة التقرير والتدليل بشكل متنام؛ فالزوجة توبخ زوجها وتلومه سفها منها؛ لأنه انهزم في معركة، فهي لا تدري ما دار في القتال، إذ ربما التمست له العذر، ولكنها بكرت باللوم والعتاب، والشطر الثاني كله عبارة عن تكرار للشطر الأول بما في ذلك عجز الشطر الأول الذي كررت بلفظه ومعناه في الشطر الثاني، حتى إن بعض المفردات من الحشو في الشطر الأول كررت بلفظها في الشطر الثاني، مثل كلمة(سفها)، والضمير في (عليّ) هو نفسه البعل في الشطر الثاني على سبيل التجريد، ومع ذلك يبقى للقافية ومردودها فعل السحر في البيت، فبها اختتم الشاعر البيت، كما ختم الشطر الأول، وبينهما علاقة تماثل وترابط وتوكيد ناشئ من رد العجز عى الصدر. ومثل ذلك قول عبد الله بن سَبْرَة الحَرَشِي حيث كرر كلمة(قطع):

فإنْ يكُنْ اطْرَبُونُ الرُّومِ قَطّعَهَا    

فقَدْ تَرَكْتُ بِهَا أوصَالَهُ قِطَعَا

أو تكرير كلمة (فيهم) في قول فَرْوَة بن مُسَيكٍ المُرَادِي:

فآبَتْ خَيلُنَا قُطُفاً وَفِيهِم    

نَوَافِذُ مِنْ أَسِنَّتِنَا وَفِينَا

أو تكرير كلمة(ردوا) في قول العديل بن الفرخ:

وإنْ نَحْنُ نَازَلْنَاهُمُ بِصَوَارِمٍ      
 

رَدَوا في سَرَابيلِ الحَدِيدِ كَمَا نَرْدِي

الرابعة: وهي ما وقع فيها أحد اللفظين المكررين في أول العجز وآخره كما كررت حروف كلمة(عمود) في قول خِدَاشُ بن زُهَير:  

بأَنّا يَومَ شَمطَةَ قَد أَقَمنا    
 

عَمُودَ المَجْدِ إِنَّ لَهُ عَمُودا

أو تكرير كلمة(سيروا) في قول الفضل بن العباس:

مَهلاً بَني عَمِّنا عَن نَحتِ أَثلَتِنا    
 

سيروا رُوَيداً كَما كُنتُم تَسيرونا

الخامسة:  وهي ما وقع في أول الشطر لفظة تتكرر في نهايته، وفي أول الشطر الثاني لفظة مخالفة للأولى تتكرر في نهايته أيضا. كقول فَرْوَة بن مُسَيكٍ المُرَادِي: (الوافر)

فَلَو خَلَدَ المُلُوكُ إِذَنْ خَلَدْنَا      
 

وَلَو بقِيَ الكِرَامُ إِذَنْ بَقِينَا

ومن هنا فعبارة “الشعر ليس صناعة” تعكس جدلاً قديماً في النقد العربي، حيث يرى فريق أن الشعر فن وإبداع طبعي نابع من الوجدان والحكمة، بينما يرى فريق آخر – منهم الجاحظ  – أنه صناعة تتطلب مهارة، وبناء، وتقنيات، و”نسج وتصوير”، لكنه ليس مجرد حرفة آلية بل يدمج الطبع مع الصنعة للوصول إلى الكمال الفني والتعبير عن الحقائق الكبرى.

الناقد أحمد فرحات

اقرأ ايضا:

«غدًا.. سأحاول ثانيةً».. قصيدة جديدة للشاعر أسامة مهران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى