الشاعر محمد الشربيني يكتب: من خان الشِّعْرَ؟!!
بقلم: الشاعر محمد الشربيني
كثيرًا ما نرى فعالياتٍ أدبيةً، أو شعريةً على وجه الخصوص؛ فتصدمنا مقاعدُ شبهُ خاليةٍ، وقاعاتٌ نسجتْ عناكبُ العزلة في أركانها الخيوطَ، ورغم الصور التي تقتصر على ضيوف المنصّة بكامل أناقتهم وانفعالاتهم التي تستلزم حركة الأيدي وتقطيب الملامح وملءَ الأفواه حال إلقاء قصائدهم، إلا أن ذلك لا يبث روحًا أو دفئًا، فهل فقد الشعر عرشَه الوثير، وتنازل عن مكانه الأثير؟!!
ورغم أني – لحُسن حظي – التقيتُ بجمهور الشعر منذ العام السابع والسبعين من القرن الماضي في الجامعات والمنتديات والأندية، فلم أجد أشدَّ منهم إقبالًا على الشعر. لم يكن ذلك مقصورًا على جمهورٍ معين؛ فقد كان الحضور يضم كل الطبقات، وذلك حينما يتم الترويج لتلك الفعاليات خارج أسوار الجامعة.
فهل من المعقول أن يكون حضور ندوةٍ شعريةٍ في معرض القاهرة الدولي للكتاب لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة؟!! فإذا دفعتْ البعضَ المكابرةُ مستشهدًا بندوةٍ شعريةٍ تجاوز حضورُها خمسةً وعشرين مستمعًا، فسأحيلك إلى أن عدد شعراء المنصّة كان ثلاثة عشر شاعرًا، وإذا افترضنا أن كل شاعرٍ اصطحب صديقًا أو أكثر، فمعنى ذلك أن هناك شعراء شاركوا بلا أصدقاء…
دعْنا من مقولة «جمهور نوعي» التي أراها مقولةَ تغييبٍ تعرقل إدراك الحقائق الصادمة.
(أتجوَّل في الوطن العربي لأقرأ شعري للجمهورْ/ فأنا مقتنعٌ أن الشعر رغيفٌ يُخبزُ للجمهورْ/ وأنا مقتنعٌ – منذ بدأت – بأن الأحرفَ أسماكٌ، وبأن الماء هو الجمهورْ/ أتجوَّل في الوطن العربي.. وليس معي إلا دفترْ/ يرسلني المخفرُ.. للمخفرْ/ يرميني العسكرُ.. للعسكرْ/ وأنا لا أحمل في جيبي إلا عصفورْ/ لكنَّ الضابطَ يوقفني.. ويريد جوازًا للعصفورْ/ تحتاج الكلمة في وطني.. لجوازِ مرورْ!!)
ويأبى نزار قباني إلا أن يحتل المشهد بقصيدة «الحاكم.. والعصفور» بجوار السؤال الذي يضرب الرأس كالمطرقة: أين ذهب جمهور الشعر، نبض الشعر ووجهه المشرق؟!!
ليُسلِمنا إلى سؤالٍ أشد حيرةً: لماذا كان كل الجمهور نوعيًّا في تلك الفترة؟!! بمعنى أن الحضور كلهم يتجاوبون ويتأثرون ويستطيعون التمييز وإدراك المجيدين؛ إذ كانت تكتظ بهم الأروقة في فعاليات معرض القاهرة للكتاب في ندوات نزار أو درويش أو أمل دنقل أو عبد المعطي حجازي أو أبو سنّة.
كان ذلك معلومًا في التسعينيات، ولم يكن الأمر مقصورًا على قطرٍ عربيٍّ واحد؛ فقد ألقيتُ في عمّان وبغداد في منتصف الثمانينيات، وكان الجمهور بنفس القدر من التفاعل.
في تصوري المتواضع أن أضلاع مثلث الإبداع الشعري هي: شاعر، وجمهور بمريديه ونقّاده، ونص شعري. فإذا طرأ تغييرٌ، فلا بد أن ضلعًا ما لم يعد بالجودة المطلوبة، ولأن الشاعر هو قاعدة المثلث، فلا بد أنه قد تخلّى – من خلال النص – عن دوره الحقيقي تجاه الجمهور.
فطن لذلك نزار قباني؛ إذ رأى الشعر رغيفًا يُخبز بإتقانٍ بيد الشاعر ويُنضج على عينه، فهو أهم أقواته المعنوية المتصدّرة موائده، مثلما رأى حروف الشعر أسماكًا مياهُها الجمهور. إنها علاقةٌ يستحيل الفصل بين طرفيها.
ورغم أن القصيدة تدور حول ما تكابده الكلمة في الأقطار العربية، إلا أن نزار قباني اختار البساطة لغةً ومجازًا، فلم يختر الإيغال في الرمز حتى الغموض، ولم يتعالَ في لغته؛ فجاءت قصيدته غاية في العمق، شديدة الإيلام في صراحتها.
إن شعراءنا الذين اختاروا الغموض الموغل حدَّ التعمية، واللغة المجافية للفهم، فصارت قصائدهم أحاجي وطلاسم، وابتعدوا عما يواجهه الوطن العربي من قضايا، لا بد أن يغادر الجمهور أمسياتهم غير آسف؛ إذ لا يرى نفسه في مراياهم.
لقد تخلّى الشعراء عن المتلقين، فعاقب المتلقون الشعراءَ والشعرَ. لذلك صارت ندواتهم أشبه بأكوابٍ منزوعة الدسم، ورغم محاولات متعهديها الترويج لتلك الفعاليات بهذه الصور الملتقطة بزوايا محسوبة تُبيّن فيها المنصّة فقط أو بعض حضور الصف الأول؛ فإن ذلك يوضح بجلاء فشل الشعراء في رهاناتهم على كتاباتهم وألقابهم التي تتصدّر تقديمهم لبعضهم البعض.
أجل.. ولّى زمن الجمهور الحاشد الذي يتفاعل ويتمايل ويستوقف الشاعر بتصفيقه المدوّي من أجل أن يستعيد الشاعر ما يقول، بل ويبكي تأثرًا.
كل ذلك عايشناه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، وإلى أن يعود الشعراء إلى صوابهم، يظل الجمهور الحاشد مقاطعًا ندواتهم.
ليأتي الختام نِزاريًّا سهلًا ممتنعًا، وإن استخدم لفظة «ملحوشًا»، وهي عامية شائعة في بعض اللهجات العربية كالسورية، وتعني الشيء الملقى بإهمال، والكلمة من الجذر اللغوي (لحش) ويعني الإلقاء أو الرمي.
(أبقى ملحوشًا ساعاتٍ منتظرًا فرمانَ المأمورْ/ أتأمَّلُ في أكياس الرمل ودمعي في عيني بحورْ/ وأمامي كانت لافتةٌ تتحدث عن «وطنٍ واحد»/ تتحدث عن «شعبٍ واحد»/ وأنا كالجرذ هنا قاعدْ/ أتقيَّأ أحزاني.. وأدوس جميع شعارات الطبشورْ/ وأظل على باب بلادي مرميًّا.. كالقدح المكسور!!)
اقرأ ايضا:
طريقة فتح حساب بنكي في السعودية عبر الإنترنت..اعرف الخطوات بالتفصيل
التعليم السعودية تعلن فتح التقديم على برنامج «فُرص» لشاغلي الوظائف التعليمية

