ثرثرة خلف المحراب… حين يتحوّل السؤال إلى فعل مقاومة
كتب: حسين عبد العزيز
منذ أن صدرت هذه المجموعة القصصية، تمكّنت من أن تفرض نفسها على القارئ والناقد معًا، لا سيما بفضل اللغة التي كتب بها القاص السعودي حسين سنونه، وهي لغة لا يستطيع القارئ من خارج المملكة أن يستدلّ منها على جنسية الكاتب؛ إذ لم نعثر على كلمة واحدة مكتوبة باللهجة المحلية، بل جاء السرد والحوار بلغة عربية سليمة وبسيطة، خالية من العامية أو المفردات التراثية الثقيلة التي يتعمّد بعض الكتّاب حشرها في نصوصهم تعويضًا عن ضعف البناء الفني.
ثرثرة خلف المحراب
وهنا أتذكّر ما قاله الراحل مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه النظرات (الجزء الثالث)، حين أكّد أن الأساليب اللغوية ليست دينًا يُتمسّك به، بل أداة للفهم والتواصل، وأن على الكاتب أن يخاطب عصره وجمهوره بلغة يفهمونها، لا أن يعود إلى قواميس اندثرت مع عصورها.
وقد جاءت لغة حسين سنونه مميّزة بحق؛ لا لفظ غريب ولا كلمة محلية، وهو ما دفعني لقراءة المجموعة كاملة، بعدما فرضت نفسها بقوة. وللمرة الأولى في تجربتي النقدية، ابتعدت عن النص الذي حملت المجموعة اسمه، وبدأت بنص بالغ الأهمية من حيث طرح السؤال، وهو نص «غباء خاص جدًا».
يناقش النص قضية شديدة الخطورة تمسّ الوطن العربي بأكمله، وتحديدًا الاتهام الجاهز بـ«العلمانية» الذي بات سلاحًا لتخوين كل مختلف، بعد أن نجحت الآلة الإعلامية في تشويه المفاهيم وربطها بالكفر والعداء للدين، خصوصًا منذ ما سُمّي بالربيع العربي.
ويعرض النص مشهدًا كاشفًا لرجل متديّن في ظاهره، يهاجم الآخر بعنف لفظي وأحكام جاهزة، فيكشف القاص كيف تحوّل الدين من قيمة روحية إلى أداة إقصاء. وقد حرصتُ على نقل هذا المقطع كاملًا ليعيش القارئ الحدث كما أراده الراوي، باعتباره مرآة لواقع عربي جرى فيه «شكلنة الدين» وإفراغه من جوهره الإنساني.
أما في نص «ثرثرة خلف المحراب»، الذي حملت المجموعة اسمه، فنقرأ هلاوس رجل ينتظر الإمام لصلاة الفجر أو العشاء، بينما تتزاحم في رأسه مشاغل الحياة: مسلسل، مباراة، قرض بنكي، غربة، وحرمان. تأخر الإمام يفتح الباب واسعًا أمام الشيطان، الذي يجد في طول الانتظار مساحة للسيطرة على الذهن المرهق.
هنا يطرح حسين سنونه سؤاله الأهم، لا بشكل مباشر، بل عبر سرد ذكي:
هل المشكلة في ضعف الإيمان، أم في ضغوط الحياة، أم في خطاب ديني لا يراعي الإنسان وظروفه؟
إنها نصوص لا ترفع الشعارات، بل تزرع الأسئلة، وتترك القارئ أمام مرآته، وهو جوهر الأدب الحقيقي.

اقرأ ايضا:
” المنصورة زوجتي ولكن”… قصة قصيرة للكاتب حسين عبد العزيز



