الإرث الثقافي والعقائدي وتأثيره على الأجيال: قراءة نقدية في رواية «بافويونا.. مذكّرات الأقلام الستة»
بقلم: عبير حافظ
تأتي رواية بافويونا للكاتب خالد الدسوقي بوصفها تجربة أولى تحمل ملامح البدايات الأدبية المعتادة، حيث يميل المبدع غالبًا إلى استحضار تجاربه الشخصية وذكرياته الأولى، ويحوّل ما اختزنته روحه إلى حكاية مكتوبة. ولهذا يظهر التأثير الحياتي والنفسي للكاتب جليًا في هذه الرواية التي تجمع بين الخيال والتاريخ والرمز.
الرواية بين التاريخ المتخيَّل والفانتازيا التعليمية
تنتمي بافويونا إلى روايات التاريخ المتخيَّل، مع بُعد تعليمي وفانتازي واضح. فهي تستحضر تاريخًا حقيقيًا — تولي الأمير محمد الثالث الحكم وعلاقته بعائلة بافو الإيطالية — ثم تُطلق الخيال لبناء عالم رمزي يُسقط أحداث الماضي على صراعات الحاضر، وبخاصة الصراع بين المسار العلمي والمسار الأدبي.
هذا المزج بين الواقعي والمتخيَّل هو إحدى الحيل الفنية التي يستخدمها الكُتّاب لتجنب الصدام المباشر مع الواقع، وبناء رؤية نقدية عبر خيال قريب من الحقيقة.
الغلاف
جاء الغلاف معبرًا بذكاء عن مضمون الرواية: ستة أقلام تقابلها ست شخصيات، وكل قلم ينتهي بريشة حمراء ترمز إلى التوهج والحماس والثورة. كما يجمع التصميم بين أدوات الكتابة القديمة والحديثة، في إشارة واضحة لطبيعة العمل الذي يربط بين الماضي والحاضر.
الإهداء
الإهداء كان طويلًا ومفصلًا، لكنه يحمل دلالات مهمة، فقد رتّب الكاتب الشخوص في الإهداء بالترتيب نفسه الذي ستظهر به تأثيراتهم داخل الرواية: أثر الأب ثم الأم الأشقاء (الذين ظهروا رمزيًا أصحاب الأقلام)
تجربة الثانوية والحرمان من دراسة التاريخ، كلية التجارة، منتخب الدقهلية، وأخيرًا الأساتذة، هذا الإهداء ذاته يمكن اعتباره مذكّرات صغيرة توازي المذكرات داخل الرواية، ليصبح الإهداء «إرثًا مصغّرًا» يمهّد لإرث أكبر داخل النص.
المقدمة
رغم قصر المقدمة، فإنها أكدت فكرة الصداقة والترابط، وكرّرت كلمة «الصداقة» ست مرات، وربما جاء ذلك بقصد رمزي. ويبدو أن الكاتب يرى في الكتابة صديقًا آمنًا يحتضن أزمات النفس ومعاناتها.
البداية
استدعاء الحدث التاريخي العثماني منح الرواية أرضية صلبة ينطلق منها الخيال، ومن خلال إشارات واضحة إلى تكرار الأنماط البشرية، قال الراوي: «الماضي يعيد نفسه بمظهر مختلف».
وهنا تظهر الفكرة المركزية للرواية: أن الإرث الفكري والإنساني ينتقل عبر الأجيال ويشكّلهم، حتى لو تغيّرت الأسماء والزمان.
السرد والمونولوج
بُنيت الرواية بأسلوب المذكرات والمونولوج التقريري، وهو أسلوب يناسب طبيعة العمل، لكنه يحتاج لاحقًا إلى تمييز صوت كل شخصية. إذ بدا صوت الجد والأب والحفيد متقاربًا، وهو ما يمكن تحسينه في الأعمال القادمة.
كما استخدم الكاتب تقنية «الحكي داخل الحكي» مع تداخل زمنين: الحاضر والماضي، إضافة إلى فلاش باك يربط الأحداث بشكل متتابع.
رموز وإسقاطات الرواية
اعتمد الدسوقي على رموز واضحة: الأب عدي العرفان حيث يمثل السلطة التي تتحكم في مصير الابن وتمنعه من دراسة التاريخ، ما يعمّق داخله رغبة التعويض لاحقًا.
الجد عارف العرفاني: رمز للماضي المتجذّر، والحلقة التي يصل عبرها الحفيد إلى ذاته.
المسابقة بين الأقلام الستة: هي إسقاط على السباق العالمي بين البشر والدول، وعلى الصراع بين فروع العلم والمعرفة.
الرقم (6)
تكرار الرقم ستة (ست محافظات، ستة أقلام، ستة أيام…) ليس عشوائيًا؛ فهو رقم ذو مدلولات دينية ورمزية واسعة.
القلم… رمز الهوية
-القلم وريشة الطاووس في نهايته (على الغلاف) رمز للعلوم، وللتباهي، وللإصرار على ترك أثر.
-العنصر النسائي… حضور متكامل
ظهرت الأم داعمة، بينما جُعلت بسملة — حاملة القلم الجغرافي — نظير أشرف حامل القلم التاريخي، في إشارة جميلة للتكامل والعدل والمساواة.
الغش: أدان الكاتب بوضوح الغش، إذ هلكت الأقلام العلمية الستة بسبب اعتماد وسائل حديثة للتحايل، ليؤكّد أن تزوير المعرفة سبب هلاك الأمم.
وصف الأحداث والنهاية الدائرية
برع الكاتب في الوصف، خاصة في الفصل الذي أبرز حركة الشخوص وحيوية المشاهد، أما النهاية فجاءت دائرية ومفتوحة، تعيدنا إلى الجد والحفيد، ترسيخًا لفكرة أن الحياة دورات، وأن الصراع المعرفي يتجدد دون توقف.
أخيرًا…
تقدّم رواية بافويونا تجربة مميزة تجمع التاريخ بالخيال، والفانتازيا بالتعليم، وتؤكد أهمية الإرث الثقافي وتأثيره على الأجيال. ورغم حاجتها إلى تمييز أصوات الشخصيات وتخفيف الطابع التقريري، فإنها تقدم رؤية ذات عمق ورسالة واضحة حول قيمة التاريخ والهوية والاجتهاد.
اقرأ ايضا:
ثرثرة خلف المحراب… حين يتحوّل السؤال إلى فعل مقاومة
قهقهة من السماء: ضحكة واحدة تغيّر يوم مدينة بأكملها!
تريند المشاهير يشتعل.. تفاصيل الساعات الساخنة في أزمة العوضي ورضوى الشربيني



