بقلم: أحمد فرحات
في عام 2022م خرج إلى النور كتاب نهاية الشعرية العربية(التقشف البلاغي) لأستاذنا الدكتور أبو اليزيد الشرقاوي بدار العلوم حيث المحافظة والأصالة وهو كتاب استثنائي يعلن فيه نهاية الشعرية العربية. فهل فعلا يمكن أن تموت الشعرية العربية على يد أبناء العرب أنفسهم؟؟
يدعو أستاذنا إلى توهج قصيدة النثر عن طريق إبداع مميز لشعراء مصريين معاصرين ويبديتعاطفا إيجابيا ويعترف بأن هذا المكتوب شعر، ويمضي في قراءة “الديوان” ماذا يجد؟ سأنقل نصوصا غير مختارة عن عمد:
من نص (شجر السيارة) لعادل جلال:
سيارة تمضي في مساء شتائي جميل
بضوء خافت هناك بين أشجار في حقل بعيد بدرب غير
معبد أحيانا
تحمل أناسا إلى وجهة يعرفونها
شيء بقلبي كهذا
بلا وجهة له(2)
من نص عاطف عبد العزيز (قدح مقلوب)
صديقك مات
قبل أن يبلغ الثامنة والثلاثين
فماذا أنت فاعل هذا المساء؟
لو أنني مكانك
لأخذت طريقي إلى مقهاكما المفضل،
وجلستُ على كرسيّه متخذا نفس الوضع،
المرآة ورائي،
ووجهي إلى الرف المزدحم
كنت سأطلب بيرتي في قدحه الخزفي
ثم أبدأ في تدوين خواطري على قصاصة
مستخدما يدي اليسرى
من نص حنان شافعي (عاهات مستديمة)
لم اعد أحب الضوء
لم أعد أحب الكلام
لم أعد أحب السكر
لم أعد أبكي على الجنود المقدمين للموت مجانا
كل ما يهمني الآن أن تشرق الشمسُ وقد تجرّعنا الحياة حتى آخر قطرة.
ويتساءل: ما الذي في هذه “الكتابات” يقنع القارئ بشعريتها؟
نظر د. أبو اليزيد إلى الشكل الكتابي للأبيات وإلى التوزيع الكتابي فيقول: سنكون أمام سؤال عن جدوى التوزيع على الصفحة بما يخالف النثر، ففي الشعر العمودي كان البيت دافعا إلى جعله يحتل سطرا، ولانقسام البيت إلى شطرين متساويين تم توزيعه على شطرين كتابيين بينهما فراغ، وفي شعر التفعيلة سيكون الالتزام بوحدة التفعيلة دافعا للالتزام بالتشكيل الكتابي، ولأن رواد الشعر الحر قالوا بالدفقة الشعرية، وحين تنتهي الدفقة ينتهي البيت (الذي أصبح السطر) الشعري، فما الذي في شعر النثر يدفع الشاعر إلى توزيع الجملة الواحدة على عدة أسطر؟ هذا سؤال لا أعرف له إجابة إلا محاولة الاحتفاظ بالعرف الكتابي للشعر وتمييزه عن الشكل الكتابي للنثر.
وباستثناء هذا التوزيع الكتابي لقصيدة النثر –هنا-ما الذي في هذه الكتابات يقنع القارئ بشعريتها؟ هنا (في الشواهد السابقة) البساطة بكل مظاهرها ففي نص عادل جلال فإن عنوانه فقط (شجر السيارة) هو المجاز الوحيد في النص، وباقي النص بسيط في ألفاظه وجمله وعباراته، بعيد عن أي محاولة لإخفاء العواطف، وهو نفس ما نجده عند عاطف عبد العزيز الذي يعتمد على لغة واقعية تسجيلية تتجنب التداعي والتهويم اللفظي والطنطنة، وعند حنان شافعي نجد البعد عن الترهل اللغوي واجتناب الفضفضة الكلامية، فيقل الاسترسال الإنشائي.
في هذه الشواهد الثلاثة ابتعاد عن الجلجلة التي تعودنا عليها في نصوص تحاول أن تقول كل شيء دفعة واحدة، وتوهمك بذلك وتصر على إيهامك، لكنك بعد الفراغ من قراءتها لا تقبض على شيء يذكر.
مالت قصيدة النثر المعاصرة إلى الابتعاد عن حشد الصور (عكس ما فعله الجيل السابق عليها، فأحيانا كنت تجد صنعة الصور هي الأساس) أما هنا فيصعب الوقوف على الصور الجميلة التي كانت غاية الشعراء من الجيل السابق، اقرأ من (المقعد الفارغ) لصلاح فاروق العايدي:
ماذا يفعل الحالمون أمثالنا
نحن الذين انتظرنا طويلا كي نفهم الحياة
وانتظرنا طويلا كيما يأتي الحب
وانتظرنا ربما رأينا مصائرنا بعيون أخرى
أعتقد أن الحياة ممكنة بغير النساء
وأعتقد أن الحياة صعبة بدون النساء
واعتقدنا أن الحياة صعبة بدون النساء
جرّبنا الحكي الطويل عن كل شيء
وانتهينا إلى الملل من كل شيء
ويقول: في نصوص قصيدة النثر المعاصرة تميل غالبية النصوص إلى أن تكون “قصائد يوميات” فتجد فيها سردا للمعاش وتفاصيل الحياة، ولعل ذلك يرجع إلى أن تقريب النص للواقع هو سمة ما بعد حداثية، انتقلت إلى شعرنا المعاصر – ليس فقط في قصيدة النثر، بل حتى في الشعر العمودي المعاصر) حيث تجد الشعر مهموما باليوميات، بالإضافة إلى ذلك تخلت قصيدة النثر عن وطأة الأيديولوجيا تماما، لدرجة يبدو فيها الشعراء بدون انتماء أيديولوجي بعد أن تحرروا من المفاهيم الجاهزة التي كان يتم فرضها على الشعر الحديث، ولعل ذلك ما دفع بالشعراء إلى التخفف من الحمولة الجمالية والتخييلية.
إذا أعدنا قراءة المقطع السابق فهو يرسم “واقعا” شعريا، والأصل في الشعر أنه “اختلاق” وليس نقلا واقعيا، إنه عالم متخيل لذلك يتعرض الواقع في الشعر إلى التغريب والإبهار والإبعاد عن الواقع من خلال خيال جامح أو تشبيه أخاذ أو استعارة مجنحة، فإذا بحثنا عن ذلكفي هذا النص لن نجد شيئا من ذلك.
ويستمر.. يبدو عدم اهتمام الشاعر بالبلاغة واضحا، غابت كل القيم الجمالية الصوتية والمجازية التي حرص التراث الشعري على التمسك بها، ثمة تقشف بلاغي مقصود، وحينما يتخلى الشاعر طواعية عن الحمولة الجمالية والتخييلية فإنه يضحي بأهم عنصر إغراء القارئ وإغوائه بأن ما يقرأ شعر، لذلك ستبدو الكتابات المعتمدة على التخفف من الحمولتين الجمالية والتخييلية مغامرة تحتاج إلى وعي، ربما لا يُطلَبُ – هذا الوعي – مع الكتابات التي تعتمد على الغلو والإطناب والتخييل.
إن الشاهد هذا يقوم على الإيجاز، والوضوح والبساطة، حيث يحمل كل سطر معنى شعريا مكتملا مكتفيا بالقدر الأدنى من الألفاظ لنقل هذا المعنى الشعري.
فهل وفق د. أبو اليزيد في نقل فكرته عن نهاية الشعرية العربية وموتها والإعلان عن شعرية جديدة تتمثل في قصيدة النثر؟؟
اقرأ ايضا:
