الناقد أحمد فرحات يكتب: هيبة العلم

يكسو العلم صاحبه كساء هيبة ووقار، فيغدو المجلس كله مكللا بالمهابة ، ولا يُسمع إلا صوت العلم، الدراسات العليا الجامعية هي أعلى دراجات السلم التعليمي، وهي غاية كل طالب علم ومنتهى أمله، ثم هي الصورة الصادقة للأمم وحظها من التقدم والرقي، ولجامعاتنا المصرية في ذلك تاريخٌ عريق.

والذين شاهدوا مناقشة الرسائل الجامعية في الستينات ثم يشاهدونها الآن يرون فروقاً واضحة بين ما كان وما هو كائن، ولستُ من الذين يرون الماضي خيراً كله، وأن الحاضر شر كله، ففي الناس بقايا خير.

وأول ما يلقاك من ذلك في الماضي تلك الهيبة الخاشعة التي تحف بأعضاء هيئة المناقشة حين يدخلون القاعة؛ لأنهم قضاة، ومجالس القضاء مصحوبة دائماً بمظاهر الجلال والوقار، ويظل أعضاء المناقشة مدة المناقشة كلها على هذا الحال من الجد والصرامة، أذكر يوماً حضرت فيه مناقشة، وكان رئيس الجلسة الأستاذ عباس حسن رحمة الله، وكان فيه بأوٌوصرامةٌ، وحين استقر على المنصة هو وزميلاه نظر فوجد باقات من الورد أمامه وأمام الطالب، فاستدعى العامل، وقال له: ارفع هذا، هل نحن في فرح؟

ويسري هذا الجد إلى الحضور جميعهم، فلا كلمة ولا تعليق، ولا تسمع إلا همساً، وإذا بدا للطالب أن يتظرف ليخفف من حدة مناقشة، أعيد بقسوة إلى حالة الوقار والجد.

ثم لم يكن يُسمح فيما مضى لأحد من الحضور أن يعلق على ما يدور من مناقشة، بل لم يكن الحديث يتجه إليهم أصلاً، وإنما الكلام بين المناقشين والطالب ليس غير، ثم لم يكن يسمح للأطفال بحضور تلك المناقشات.

أما اليوم؛ فالأساتذة يدخلون في موكب بهيج من الضحك والانبساط, ويسري هذا كسابقة إلى الحضور, فترى القاعة تموج بالانشراح والبهجة والتعليقات الحلوة, والأطفال يتقافزون ويمرحون في القاعة, وقد جئ بهم ليروا (بابا) في يوم عُرسه, والنساء يزغردون عند إعلان النتيجة, بل إني سمعت– الطناحي- إحداهن  تنشد لقريبها الطالب:

يا شجره يا حلوه يا مفرّعه

شرفت أعمامك الأربعة

وأسوأ ما يكون هو التوجه إلى الحضور بنوع من طلب الرضا والاستحسان، أو التماس التأييد والنصرة، وكل ذلك يجر إلى المشاركة في المناقشة، وهذا عيب فادح، فالكلام في هذه المواطن إنما يكون للجالسين على المنصة والطالب فقط.

حديث عجيب:

أول ما تأتيك به المقارنة بين ما كان وما هو كائن في هذا الصدد: أن الأستاذ المناقش فيما مضى كان يدخل إلى المناقشة وهو محتشد، قد أخذ للأمر عدته، وجمع له أدواته، وكانت مناقشته، تطول جداً؛ لأنه أعطى الرسالة حظها من النظر والتأمل، فقرأها كلها، أما اليوم فأنت تحس من أول لحظة بأن الأمر هين، بل هو بالغ السهولة.

ومن أمارات الاستخفاف أن بعض الأساتذة يصرح في أول مناقشته بأنه اعتاد ألا يتجاوز ساعة واحدة، كأنه يريد أن يطمئن المشرف والمناقش الثاني والجمهور والطالب، ويظل الحاضرون ينظرون في ساعتهم. وحين توشك الساعة أن تنقضي يرتفع صوت واحد من الحاضرين: الساعة خلصت يا دكتور، فيرد عليه الدكتور: لا ياخويا، فاضل دقيقتين، ساعتك غير مضبوطة، ويتضاحك الجميع. ومن هنا فقد زالت أسباب الخوف والهيبة عن كثير من الطلبة، وأصبح بعضهم يُنشد بعضًا:

ومن أعجب ما رأيته من علامات الاستخفاف أن زميلاً كان يناقش بجواري فقال للطالب: والله يا بني أنت حظك حلو، أنا قرأت رسالتك في القطار! قطار يا دكتور؟ كيف يحدث هذا؟ ألا تحتاج إلى مرجع تعوّل عليه أو تصحح منه؟ ولهذا يدخل الطالب لجنة المناقشة محتشدًا جامعًا، حتى إذا رأى ذلك كله سكن رُوعه، وهدأت نفسه.

وأمر آخر خطير: إن المشرف قديمًا كان يشترك مع زملائه في مناقشة الطالب، وتدور مناقشته حول مخالفة الطالب عن أمره فيما رسمه له من خطة الرسالة، أو بأنه حين قرأ الرسالة كاملة ظهرت له جهات من النقص يرى ضرورة تنبيه الطالب عليها،

ومن أسوأ ما تراه الآن من تعصب بعض المشرفين أنه إذا رأى حدة من بعض المناقشين اتجه إلى الطالب وغمز له بعينيه، يعني “فوِّت”، وهذا شيء رديء جدًا، يراه الحاضرون بوضوح، ويخرجون يتندرون به، فيقولون: “شفت لما الدكتور غمز له بعينه”! هأْ هَأْ هَأْ.

ومن أعجب العجب أن ترى وتسمع أحدهم يستغل نفوذه الجامعي ثم يقلب المحاضرة أو المناقشة إلى ساحة مسرحية تضج بالتهريج والفكاهة على أبسط الأمور وأكثرها هيافة، فترى كل من بالقاعة يضحكون ويهرجون، ناهيك عن القضايا غير الأخلاقية التي تسمعها بأذنيك على اليوتيوب أو وسائل التواصل .. أسماؤهم وأفعالهم مخزية .. وعار على مجتمع الجامعة.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى