مستشار وزارة الشئون الإسلامية بالبحرين: المناهج العربية تعاني من القصور والجهل والظلم وراء انتشار الفكر المتطرف

حوار : نعمات مدحت

في حوار فكري مهم يكشف الكثير من القضايا المرتبطة بتجديد الخطاب الديني ومواجهة الفكر المتطرف، أكد الدكتور عزت عبدالكريم الدناصوي مستشار وزارة العدل والشئون الإسلامية في البحرين، أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تتم بالقوة فقط، وإنما تحتاج إلى مواجهة فكرية شاملة تبدأ من تطوير المناهج التعليمية، وتأهيل الأئمة، وتعزيز دور الإعلام والمؤسسات الدينية في نشر ثقافة السلام والوسطية.

وأوضح أن العديد من المناهج العربية تعاني من قصور واضح يحتاج إلى مراجعة وتنقية حتى تواكب تطورات العصر وتغرس في الأجيال الجديدة قيم التسامح والاعتدال. كما شدد على أهمية التعاون بين القادة السياسيين والعلماء والإعلاميين والمؤسسات التربوية لمواجهة الفكر المتطرف الذي يمثل تهديدًا حقيقيًا للمجتمعات.

وفي هذا الحوار الذي أجرته الصحفية نعمات مدحت، يتحدث الدناصوي عن أسباب انتشار التطرف، ودور المؤسسات الدينية والإعلام، وإمكانية توحيد الفتوى، وسبل نشر سماحة الإسلام في العالم.. وإلى نص الحوار.

هل المؤتمرات والملتقيات الفكرية سبيل لمواجهة الإرهاب والتحديات المعاصرة؟
لاشك أن المؤتمرات والتجمعات بين قادة الأمة الدينيين لها أهمية بالغة ولكن لن نجد لها آثر إلا إذا خرجت من التوصيات للناس ، وإذا ظلت مجرد أبحاث ومناقشات بين المشاركين فلن يكون لها الأثر المطلوب الذي يحقق الأهداف المرجوة منه ،وأن يكون هناك لجان متابعة لتنفيذها علي أرض الواقع .

برأيك من هم القادة المطالبون بمواجهة الإرهاب ونشر السلام ؟
المسؤلية تقع علي الجميع كلً علي حسب موقعه وكلٌ في مكانه وتقع علي كل من له تأثير فيمن حوله وتقع علي القادة السياسيين بالدرجة الأولي ، ثم علي قادة الفكر والعلماء والكلمة من الوعاظ والإعلاميين والصحفيين ولا يستطيع جهاز منفردا للقيام بهذه المهمة ولن تنجح إلا إذا تعاون للجميع كل في مكانه.

كيف يكون للمناهج الدراسية أثر في نشر ثقافة السلام ؟
للأسف هناك قصور شديدة في كل مناهج الدول العربية والإسلامية ، وكثير من أصحاب الفكر المتطرف ومن انضموا إلي جماعات العنف والإرهاب بالتجربة تأثروا كثيراً خاصة في مراحل الإبتدائية والإعدادية ، وهذه القصور لاشك أنها تربي فئة منهم علي التطرف الفكري الذي يؤدي إلي العنف والإرهاب ، فلابد من مراجعة شاملة وإدخال مناهج الوسطية التي هي فعلا روح الإسلام ودعوته ورحمة الإسلام الذين جاء به النبي صلي الله عليه وسلم .

كيف نربي الأطفال لنشر ثقافة السلام ؟
حلقة التربية بمراحلها سواء في الطفولة أوالمراهقة أو الشباب تحتاج إلي إعادة صياغة الأهداف والخطط التربوية ولن ننتقل نقلة نوعية في مختلف المجالات إلا إذا غيرنا في مناهجنا التعليمية وبدأنا بالأطفال منذ نعومة أظافرهم ، وإذا حققنا تطويراً نوعيا في التعليم في جميع مراحله نستطيع أن نغير ثقافة الناس فلن تتغير بين يوم وليلة ، وهذا جيل ولابد أن يتربي في مناهج التعليم قد أعدت خصيصا ليكون هذا الجيل قادر علي تغيير نمط الثقافة السائدة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية .

القادة .. كيف نؤهلهم لنشر ثقافة السلام؟
القادة جزء من المجتمع الذي ينبغي أن يتربي علي النهج الوسطي للفكر والعمل ، وهم جزء من كل المجتمع وليسوا فئة خاصة سواء ديني أو صحفي أو سياسي ، فهو واحد من أفراد المجتمع الذين كانوا ينبغي رعايتهم من طفولتهم ليقودوا الأمة بطريقة صحيحة وتنهض لكن يمكن أن يتدارك ذلك فيما لا نستطيعه في التدريب والتطوير والبرامج المكثفة وغيرها من المؤتمرات والندوات التي ينبغي أن تفعل علي أرض الواقع.

دورالإعلام في مواجهة الإرهاب؟
الإعلام من أهم وأخطر الوسائل ، وفي نفس الوقت سلاح ذو حدين يقيم دول ويسقط دول ، فالإعلامي لابد أن يكون مهنيا ومنصفا وصادقا يتحلي بالأخلاق المهنية والعملية وواحداً ممن يعتمد عليهم في نشر الفكر الوسطي ، وكثيراً من المحطات الإعلامية روجت للفكرالمتطرف والفوضي والإرهاب إما عن قصد بالتوجية والتمويل ، وإما عن قناعة ، فالإعلام له خطورته فهو أشد فتكا في الدول والمجتمعات من الطائرات فهو يغير نمط ثقافات المجتمع وفكر الناس فلابد من الإهتمام بالإعلام والإعلاميين وتطويرالمنظومة الإعلامية .

هل تلاحظ تقصيرًا من قبل المؤسسات الدينية في مواجهة الإرهاب ؟
ليست المؤسسات الدينة وحدها مقصرة في تجديد الخطاب الديني ومواجهة الإرهاب ، وإنما كل المؤسسات لديها نوع من التقصير لكن يتحمل المسؤلية بالدرجة الأولي المؤسسة الدينية لأنها المسؤلة عن الفكر، وهناك خطاب إسلامي يحتاج إلي تحديث في اللغة والوسائل وهناك خطباء يحتاجون إلي إعادة تأهيل لمواكبة العصر .

وينبغي التمسك بالأصول والثوابت ولكن هناك متغيرات لابد أن تتغير بناء علي تغيرات العصر ومستجداته وكثير من منسوبي مؤسساتنا الدينية والدعوية لا يزالون يعيشون في العصر الماضي وكانوا يعيشون بفكر السابقين وبعيدون تماما عن التطور وما وصل اليه العالم من العولمة والسباق التكنولوجي والتواصل والإتصال بالتالي سيكون هناك تقصير كبير لدي المؤسسة الدينية في ابلاغ رسالتها لهذا المجتمع ولا شك ان هناك افراد يقومون بدورهم .

ما الدور الواجب علي المؤسسات الدينية الفترة القادمة في مواجهة الإرهاب ؟
أن تطور المؤسسة الدينية من نفسها وكوادرها ، وأن تواجه الفكر بالفكر، ومواجهة الفكر بالسلطة لا يكفي، فلابد علي المؤسسة الدينية في المرحلة القادمة أن تغير من نمط تفكير المنتسبين إليها ، وتغير من أسلوب الخطاب الديني وتعطيهم العلم ووسائل التواصل التي تمكنهم من نشر وسطية الإسلام .

كيف نؤهل الأئمة لحمل الدعوة ؟
الأئمة جزء من المؤسسة الدينية ونؤهلهم بتطوير المناهج وتنقيتها وشرح النصوص بما يتفق والعصر ، وأن نوفر لهم الوسائل التي تمكنهم من توصيل هذه الرسالة ، ولا ما نع من توقيع بروتوكولات تعان مع الإعلام في توصيل بتخصيص برامج دينية لتوصيل رسالة الأئمة إلي الناس في منازلهم.

تجديد الخطاب الديني .. هل بالفعل أصبح فزاعة العصر ؟
إذا تحدثنا عن تجديد الخطاب الديني ، فهو خطاب الله الموجه إلي الناس ، فهناك ثوابت لا نستطيع مسها سواء عقدية أو عبادية ، ولكن الذي نستطيع تغيره هو الوسائل التي ينبغي أن تتوافق وتتماشي مع العصر وهذه الوسائل هي المتغيرات وفروع الأحكام الإجتهادية التي ليس عليها إجماع كل هذا لابد أن تكون في منصات إجتهاد جماعي مثل المجامع الفقهية والبحوث الإسلامية تخرج في صورة توافق ثقافة الناس وعلمهم .

تضاربت الفتاوي في الفترة الأخيرة وخرجت فتاوي تحث علي القتل والتكفير …كيف يمكن ضبط الفتوي ؟
كانت الفتوي في القدم تخرج من العالم منفرداُ، لأنه كان مجتهداً ويستحق أن يأخذهذه المكانة الإجتهادية لوصوله في العلم ، أما في زماننا فليس هناك مجال للإجتهاد الفردي وهذا التخبط بسبب إجتهادات فردية ، وإطلاق فتاوي شخصية ، وما أن هذا الزمان لا يتحمل الإجتهاد الفردي فلابد أن تخرج الفتوي من المجامع تكون جماعية ، وكل الفتاوي الإجتهادية والأحكام لابد أن تخرج من المجامع الفهيقة العامة كمجمع البحوث والافتاء بأصوات جماعية للعلماء.

هل يمكن توحيد الفتوي؟
يصعب توحيد الفتوي وان كان الحكم واحداً ، لأن الفتوي تختلف بإختلاف الزمان والمكان كل فتوي تصدر ربما تناسب مجتمع ولا تناسب الآخر ، لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان وكذلك لا ينكر الناس لكن يمكن أن نوحد معايير إصدار الفتوي ، واتفق علماء الإسلام علي هذه المعايير اما الفتاوي التي يمكن ان تحد بلبلة فهذه يصدر قرار تصدر الا من المجمع الاسلامي .

كيف يمكن مواجهة الإرهاب ؟
لن تتم مواجهة الارهاب بالكلام ،فالارهاب كمصطلح في حد ذاته لابد أن نتفق علي تعريفه إتفاقا واضحا لأننا كمسلمين يختلف معني الإرهاب عن معني الغرب ، ينبغي أن نشخص أسباب وصول الإرهاب المذموم الذي هو بمعني تخويف وترويع الناس بالقتل والتدمير والمتطرف ، أهم وأخطر الأسباب هو الجهل وهذا قد يكون من بعض المتدينين المتشديدين أو أصحاب المنابر وليس بالمقصود من لا يتعلمون في المدارس .

ومواجهة الإرهاب لن تكون إلا بتكاتف المؤسسات الدينية مع بعضها في نشر الفكر الوسطي ومحاصر الفكر المتشدد ، ان تضم إلي المناهج مواد تحث علي مبادئ الاسلام ومقاصده وآدابه السامية ونربي عليها أبنائنا علي أن الإنسانية أسرة واحدة والإنسان مكرم .

فالتربية الأحادية الإقصائية تخرج لنا جيل لا يقبل إلا نفسه ويري كل من سواه علي باطل وليس علي حق ينظر للآخرين باستعلاء هذه النظرة التعصبية هي التي تؤدي إلي نشر هذا الفكر وأول من تجرع من هموهم المسلمون ، فالمواجهة لابد أن تتخذ عدة مسارات ولابد أن تقننع المؤسسات الدينية أن السجون والمعتقلات لن تجدي نفع في القضاء علي ظاهر ة التطرف الفكري ، فلابد أن يكون هناك فكراً مضاداً يدحض هذا الفكر ويحاصر من ينشره .

هل الإستبداد السياسي من ولد الفكر المتطرف ؟
من أسباب ظهور التطرف الظلم قد يولد مع بعض فئات الناس فكراً متطرفا يؤدي به إلي العنف الذي يؤدي إلي الإرهاب سواء ظلم سياسي او إجتماعي أو اقتصادي ، والأشد خطوة هو الإجتماعي وأحداث الفروق والطبقية في المجتمعات ويأتي بعده الإقتصادي الذي هو إيجاد فوارق وتوسيع دائرة الفقراء وهو يؤدي الي الفكر المتطرف لان الذين يبحثون عن هذا يجدون من الفقراء وسيلة لانهم يستخدمونهم ويدفعون لهم لكي ينشروا هذا الفكر كل هذا اتجاه وهناك اتجاه آخر من المخططات الخارجية التي تستخدم هؤلاء الجماعات لتنفيذ أجنداتها في البلاد الإسلامية .

هل نحن بحاجة إلي تصحيح صورة الإسلام في الغرب؟
بالتأكيد للمسلمين قبل غيرهم لأن هناك فئة من غير المسلمين اختطفوا الإسلام وحاولوا أن يتخذوا من الإسلام مطية يركبونها لتحقيق مأربهم وأهدافهم . المتطرفون شوهوا صورة الإسلام لدي المسلمين وغيرهم لدي، فينبغي صياغة إستراتيجة وخطة واضحة مجدولة لكي نصل بالإسلام السمح إلي العالم ، ونصحح المفاهيم المغلوطة وهناك نقطة أخري وهي مساندة المراكز الإسلامية في الغرب وتزويدهم بالوسائل الحديثة التي تساعدهم في مجال تطوير العمل الدعوي ، بالإضافة إلي إنشاء ملحقيات ثقافية في السفارات بها علماء متخصصون يقومون بنشر الإسلام وترجمته ، وتكثيف القوافل الدعوية علي مستوي العالم لتوضيح سماحة الإسلام النقية.

اقرأ ايضا:

عبدالله الحواج يروي كواليس صياغة الميثاق وإطلاق الجامعات الخاصة (حوار)

نقلاً عن جريدة صوت الأزهر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى