عندما يعبر الأدب عنا: قراءة في «نخلة العنب» لمحمد خليل

كتب: حسين عبد العزيز

نخلة العنب.. في هذه المجموعة الجديدة للقاص محمد خليل، نجد لغة سهلة، بسيطة، مرنة، تقدم نصوصًا مفتوحة غير منغلقة على ذاتها، وهو أمر نفتقده كثيرًا في نصوص تقع بين أيدينا، خصوصًا لدى بعض خريجي أقسام اللغة العربية، الذين ينشغلون بإحكام اللغة إلى حد يجعل النص مغلقًا، عصيًا على النفاذ إلى قلبه.

أشير إلى هذا تمهيدًا للحديث عن القصة القصيرة  نخلة العنب ، هذا الفن الذي سيظل محتفظًا برونقه وبريقه مهما تعاقبت الأحداث واستجدت المتغيرات، لأنه قادر دومًا على التعاطي مع ما يلاحق الإنسان من قلق وأسئلة من كل الجهات.

قراءة في المجموعة القصصية نخلة العنب

وبما أن القَصّ فن ساحر من فنون الأدب، فإن من سماته الأساسية التكثيف اللغوي والفكري، وحسن البناء، حيث يتم اختزال المكان والزمان والشخصيات والحدث اختزالًا لا ينتقص من النص ولا يصيبه بالعوار، بل يرفع من حرارته، ويضفي عليه ما يجعل القارئ متفاعلًا معه حتى آخر سطر.

والمجموعة التي بين أيدينا تؤكد أن القصة القصيرة فن مراوغ، لا يمكن تعريفه تعريفًا جامعًا مانعًا؛ فكل تجربة قصصية جديدة تفرض تعريفها الخاص، وتعيد طرح سؤال: ما القصة؟ فلكل نص طريقته في التعامل مع الحدث، التي تجبر القاص على استدعاء لغته وثقافته ورؤيته للعالم، سواء روى التجربة بلسانه أو عبر بطل من أبطال النص.

من العنوان إلى الغلاف: مفارقة بصرية ودلالية

منذ العنوان، مرورًا بالغلاف المصمم بعناية، والذي يظهر صحراء تتوسطها نخلة وحيدة، يجلس تحتها جندي يحمل سلاحه موجَّهًا نحو ثلاثة أشخاص، تتسلل إلى ذهن القارئ دلالات الحرب، وربما نص أو أكثر عن حرب أكتوبر أو حرب الاستنزاف.

لكن عند قراءة النص الذي يحمل اسم المجموعة « نخلة العنب »، نكتشف المفارقة الإبداعية التي أجاد القاص توظيفها ببراعة لافتة، وهنا تتجلى عظمة القصة القصيرة وقيمتها.

« نخلة العنب »… الوهم وسقوط اليقين

نجد في النص نخلة بلح يجلس تحتها رجل يحرس ثمارها المتدلية، إذ يُشاع أن بلحها يشفي المرضى، وقد أُطلقت عليها أسماء عدة: «نخلة الشفاء» – «نخلة البركة» – «نخلة الصحة».

لكن صاحب النخلة، المعروف ببخله، لا يعطي من بلحها أحدًا سوى أسرته.
وفي إحدى الليالي، بينما كان يحرسها، فوجئ بشاب يتسلق النخلة غير آبه بتحذيراته ولا بتهديده بإطلاق النار. ثم يفر الشاب فجأة؛ إذ كان يسعى فقط إلى بضع بلحات لأمه المريضة.

يظل الرجل يصرخ، ويتجمع أهله، ثم يسقط مغشيًا عليه بجوار النخلة، التي يبدأ طولها في التناقص، وتتحول سباطات البلح إلى عناقيد عنب، يفيق مفزوعًا، يأكل من الثمر، فيجده عنبًا شديد المرارة، فيدرك أنه كان يعيش في وهم، ويسقط مرة أخرى، بينما الناس تضحك عليه.

إنه وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، الذي يعيشه بعض الناس، ظنًا منهم أنهم على صواب دائم. لكن سرعان ما ينكشف الوهم، وعندما يفوت القطار لا ينفع الندم، كما قالت أم كلثوم:
«وتفيد بإيه يا ندم؟»

«الخبز وكتلة الضجيج الأسود»… قراءة في الحضارة

في هذا النص، ينتقد الراوي الحضارة الغربية دون محاولة للفهم أو التعقل، فيحمّلها مسؤولية مآسي الحياة، ويرى فيها سببًا لكل الخراب، وهو تفسير قاصر؛ فكل حضارة تقدم ما يخدمها هي، لا ما يخدم الآخرين. والحجر الأساس في الحضارة الغربية ليس العدل بقدر ما هو الحرية.

«حفيد أبو لهب»… الفن في مواجهة القبح

هنا ينجح الفن في تغيير واقع شوهه أناس لا يرون سوى ذواتهم المريضة، ويسعون لتحويل المجتمع بأكمله إلى نسخة منهم.
لكن الكلمة الجميلة، واللحن الشجي، والأداء الصادق، قادرة على إحداث المعجزة داخل أي مجتمع مأزوم.

وهنا لا بد أن نستحضر قول كونفوشيوس:

«قل لي ماذا يسمع شعب من الشعوب، أصف لك هذا الشعب»، وفي رواية أخرى: «قل لي من يكتب أغاني شعب من الشعوب، أصف لك هذا الشعب».

كما لا يغيب عن الذهن قول ابن خلدون: «إن أول ما يتحلل من العمران صناعة الغناء».

وقد أشار الدكتور حسن حماد إلى خطورة ما يسمعه هذا الجيل من أغانٍ يُطلق عليها «أغاني المهرجانات».

«قصة قصيرة»… الإبداع والسرقة الأدبية

يحمل النص الأخير في المجموعة القصصية  نخلة العنب  عنوان «قصة قصيرة»، وهو نص مناسب لإنهاء هذه القراءة؛ إذ يناقش قضية السرقات الأدبية، ومحاولات الوصول إلى نتائج الإبداع دون تقديم تضحياته من قراءة، وتفكير، وكتابة، وقلق، وخوف.

يحكي النص عن شخص سرق عملًا أدبيًا من مجلة عربية ليشارك به في مسابقة، حالِمًا بالمراكز الثلاثة الأولى. لكن خيبته كانت قاسية، فانفجر سبًّا واتهامًا، دون أن يدرك أن اكتشاف السرقة بات أمرًا سهلًا.

ويبقى السؤال معلقًا: كيف يمكن الحد من هذا المرض الذي يكاد يعم المجال الإبداعي كله؟

اقرأ ايضا:

” حين أغمضتُ قلبي”.. قصيدة جديدة للدكتورة سيما حقيقي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى