عندما تبدع حفيدة شهرزاد.. حكايات مي مختار بين النوستالجيا وعبق الحكي الأنثوي
كتب: حسين عبد العزيز
إن قراءة الأدب النسائي أو النسوي — لا فرق — لا بد أن تذكرنا بالكبيرة والعظيمة شهرزاد، تلك التي كانت تتعامل مع الحكاية كما يتعامل لاعب كرة حريف مع الكرة، أو كما موسيقار كبير يصوغ ألحانه، مثل بليغ حمدي أو موتسارت، الذي يُعد من أعظم مبدعي الموسيقى في التاريخ.
لقد نجحت سيدة الحكي العالمي شهرزاد في تقديم نموذج إبداعي لا يُقلَّد، وتعلمت حفيداتها فن الحكي منها. ونحن جميعًا تعلمنا الحكي من الجدات، حيث تمتزج الواقعية بالسحر والإبداع.
ومن هنا، نجد “الجدّة الراوية” حاضرة في معظم نصوص مجموعة “قلبي مليان حكايات” للقاصة مي مختار، وهي مجموعة صغيرة الحجم، كبيرة المعاني، مفعمة بسحر النوستالجيا وعبق الذاكرة.
لحاف قطن
يُعد هذا النص أول حكايات المجموعة، قصيرة في كلماتها لكن غنية بالمعاني، شأن كثير من إنتاج “حفيدات شهرزاد” بعد ظهور الإنترنت ومواقع التواصل التي كسرت الحواجز المفروضة على الإبداع الأنثوي.
تحكي القاصة بلسان الطفلة عن جدتها وعالمها الموروث من الأمهات، وتُركّز على اللحاف القطني اليدوي الذي تعتني به الجدة استعدادًا ليوم خروجها الأخير، حين يُفرش على نعشها.
وهنا يصبح “اللحاف” بطل النص الحقيقي، إذ تتبعه القاصة من صناعته حتى لحظة الوداع، في مشهد يمزج الحنين بالموت، والذاكرة بالفقد، لتؤكد أن الأشياء تحتفظ بأرواح من صنعوها.
الرؤية
أثناء قراءة هذا النص، يتبادر إلى الذهن فيلم “فرح” للفنان خالد الصاوي، الذي قدّم صورة سوداوية للواقع، تحاكي الأساطير الإغريقية في تحدّي القدر.
النص يصوّر واقعًا فاسدًا بلا أمل، لكنه واقع صنعناه نحن، فلا نلوم إلا أنفسنا.
الراوية تزور أحد أقاربها في السجن، وتصف مشاهد مؤلمة من الحياة داخل أسوار الزيارة:
امرأة تُتهم من طليقها، ومتسول مكبّل بالأصفاد، وأخرى متهمة بالسرقة في ميكروباص… لوحات من دستوبيا الواقع التي تنبض بالألم، وكأن القاصة تُذكّرنا بمقولة نجيب محفوظ:“الأدب أكثر واقعية من الواقع.”
أحلام بائعة الخوص
في هذا النص، تصحبنا الطفلة مع جدتها إلى المقابر في أول أيام العيد، لتطرح أسئلة وجودية طفولية مثل:
لماذا نشتري الورد والخوص للموتى؟
هل تُعيد الزهور من نحب إلى الحياة؟
ولماذا يفترش بائعو الخوص الأرصفة في قسوة المكان وهم مبتسمون؟
إنها تساؤلات نابعة من عقل الطفولة المتسائل عن معنى الحياة والموت، تذكّرنا بأن على الكبار مسؤولية كبرى في الإجابة بصدق على أسئلة الصغار.
فنجان قهوة بطعم الحب
في هذا النص المفعم بالتفاصيل، تُعيد القاصة الحياة إلى ذاكرة الأبيض والأسود، حيث الراديو البلجيكي، ومطحنة البن النحاسية، وبائع العرقسوس، وصوت أم كلثوم في الخامسة مساءً.
تتحدث الراوية عن علاقتها الأولى بالقهوة، تلك الرائحة التي تحبها لكنها محرومة من تذوقها. وعندما تسأل جدتها:
“ليه الصغيرين ما يشربوش قهوة والكبار يشربوها؟” تبتسم الجدة وتردّ: “لما تكبري اشربي.”
تغزل الكاتبة من هذه التفاصيل الصغيرة نصًا دافئًا بلغة رشيقة سهلة القراءة، يجعل القارئ يستنشق عبق الزمن الجميل.
رُفعت الجلسة
هنا، تكتب مي مختار حكاية من العجائب الواقعية.
زوجة تبيع أرضها وتتبرع بكليتها لزوجها المريض، ورغم أنه لا يُنجب، تتقبل مصيرها، لكن القدر يفاجئها بموته في حادث سيارة مع زوجته الجديدة وابنه!
فتُقيم الزوجة دعوى “خلع” ضد زوجها المتوفى، وتطلب استرداد كليتها!
القاضي يحتار، وفي النهاية يحيلها إلى مصحة نفسية.
هكذا ترسم الكاتبة دستوبيا مؤلمة تُدين قسوة الرجل، وتُظهر جنون الوفاء في عالم لا يعترف بالمشاعر.
قلبي مليان حكايات
ظننت أن هذا هو عنوان المجموعة لا عنوان نص، لكنه كان مفاجأة جميلة.
الحكاية الأولى عن عروس في ليلة زفافها تتذكر ألم ختانها في طفولتها، بينما الأب يحتفل “بنجاح العملية”؛ صورة مؤلمة تختصر إرهاب المجتمع للأنثى باسم العفة.
أما الحكاية الثالثة، فهي عن الست… أم كلثوم، التي لا تُقارن بغيرها.
تحكي الراوية عن يوم رحيلها، يوم حزن فيه الناس جميعًا وكأنهم فقدوا أمهم.
تغزل القاصة من الذكريات والمشاعر لوحة نوستالجية عميقة، تؤكد أن أم كلثوم ليست مجرد فنانة، بل رمز أنثوي خالد في وجدان المصريين.
إن مي مختار في مجموعتها “قلبي مليان حكايات” تُعيد فن الحكي النسوي إلى جذوره الأولى، حيث تمتزج الحكمة الشعبية بالحنين، والواقعية بالسحر.
إنها حفيدة شهرزاد بحق، تحمل مشعل الحكاية الأنثوية، وتُجيد اللعب بالكلمات كما تجيد شهرزاد نسج الأسطورة.
عن القاصة مي مختار
مي مختار كاتبة وقاصة مصرية، تنتمي إلى الجيل الجديد من الأصوات النسائية في الأدب العربي. تتميز أعمالها بالجمع بين النوستالجيا والتجريب في الشكل السردي، وتغوص في تفاصيل الحياة اليومية بعين أنثوية تلتقط الجمال في البساطة. تُعد مجموعتها القصصية “قلبي مليان حكايات” واحدة من أبرز الإصدارات النسوية الحديثة التي احتفت بالذاكرة الشعبية والحكي الواقعي الممزوج بالشجن.
اقرأ ايضًا:
إيهاب الحضري يوقع الطبعة الثانية من «نساء وراء الجدران»..السبت



