عبدالله السلايمة: الإبداع في مصيدة “اللايك”

!في فضاء السوشيال ميديا المزدحم، تبرز ظاهرة لافتة تتكرر مع كل إخفاق في التحقق أو غياب عن منصات التتويج، حيث يرتدي الكثيرون ثوب “المبدع المُستبعد” في منشورات تفيض بمظلومية مفرطة، مفترضين أن العالم يتآمر لإطفاء جذوتهم.

هذه “النبرة الاحتجاجية” التي تجتاح الحوائط الزرقاء لم تعد مجرد نقد موضوعي للواقع الثقافي، بل تحولت إلى استراتيجية دفاعية تمنح صاحبها صكّ العبقرية المجهولة دون أن يقدم دليلاً ملموسًا على تلك الفرادة؛ فالكل في هذا الفضاء يرى نفسه “المبدع الحقيقي”، والكلُّ يظن أن خلو صفحته من “الأضواء الرسمية” هو شهادة جودة لموهبته التي “لا يفهمُها العوام”.

إن السوشيال ميديا، رغم ادعائها الديمقراطية، قد خلقت فخًا جديدًا يتمثل في “نرجسية الحرمان”، حيث يصبح البكاء على أطلال التجاهل وسيلة بديلة عن فعل الإبداع ذاته، ويتحول البحث عن “التضامن الرقمي ” إلى غاية تسبق تجويد المنتج الفني، وكأن حجم “التفاعل” مع شكوى الاستبعاد هو المقياس البديل للأهمية والتحقق.
لقد منحت منصات التواصل الاجتماعي لكل عابر “منبرًا” يمثل حُلمًا قد يكون بعيد المنال، لكنها في الوقت ذاته أعادت صياغة الصراع مع “حراس المعبد” التقليديين؛ فالمبدع الذي كان يشكو غيابه عن صفحات الجرائد الرسمية، بات اليوم يواجه سُلطة أكثر شراسة وهي سُلطة “الخوارزميات” و”التريند”، حيث يُقاس الإبداع بمدى قدرة صاحبه على إثارة الجدل أو الانخراط في “شلل إلكترونية” جديدة تمارس ذات أدوار الإقصاء والتبني القديمة، ولكن بآليات أسرع وأكثر فجاجة.

هذا الواقع الجديد خلق نوعًا من “المبدعين الورقيين” الذين يستهلكون طاقاتهم الذهنية في بناء كاريزما الضحية، فينشغلون بتدبيج منشورات تدين “فساد الوسط الثقافي ” بأسلوب إنشائي معلّب، بينما تظل أعمالهم الحقيقية – إن وُجدت – حبيسة أنساق ذهنية عتيقة لا تقدم رؤية ولا تبتكر لغة.

إنهم، في حقيقةِ الأمر، لا يريدون محاربة منظومة الاستبعاد بقدر ما يطمحون لأن يكونوا “مستبعدين بامتياز”، لعل صبغة المظلومية تجلب لهم اعترافًا معنويًا يعوضهم عن غياب الجوهر الإبداعي القادر على فرض نفسه بقوته الذاتية لا بالاستجداء.

إن المشهد يزداد تعقيدًا حين تتحول هذه المظلومية إلى “رقمنة” للمكانة، حيث يقتات البعض على صناعة الأعداء الوهميين ليبرروا بها ركود مشاريعهم، فكل نجاح لآخر هو “ضربة للمبدعين الحقيقيين”، وكل جائزة تذهب لغيرهم هي “تأكيد على رداءة العصر”.

هذا المنطق الإقصائي الذي يرتدي قناع النزاهة هو الذي يحوّل المبدع من صانع جمال إلى شاكٍ محترف يراقب المشهد بعين السخط لا بعين التأمل.

وفي المقابل، يظلّ المبدع الحقيقي – ذلك الذي يسكنُه الهاجس لا الشهرة– متمسكًا بـ “انعزاله المُنتج” وصوته الداخلي الذي لا يشبه صراخ المنصات. هو يدركُ أن “الشاشة” ليست مرآة دقيقة للقيمة، وأن الصدق الفني لا يُقاس بعدد “المشاركات” بل بمدى صمود النص أو اللوحة أمام امتحان الزمن القاسي.

أحسب أن الاستقواء بجمهور السوشيال ميديا للتباكي على وضع الثقافة هو، في كثير من وجوهه، اعتراف ضمني بالعجز عن اختراق الواقع بالفعل الإبداعي الصرف؛ فالتاريخ الذي خلّد أسماء عاشت وماتت في عتمة الظل لم يفعل ذلك انحيازًا لشكواهم، بل انحناء لأعمال كانت مشبعة بالحرارة والصدق لدرجة أنها أحرقت جدران النسيان دون حاجة لوساطة “شلة” أو “لايك” عابر.

إن القيمة الحقيقية للمبدع تكمن في شجاعته على الاستغناء، وفي قدرته على أن يكون “كائنًا ثقافيًا” لا “كائنًا فيسبوكيًا”، فمن كان ممتلئًا بصدق تجربته لن يضيره أن يصفه الكهنة بالاستبعاد، ومن كان خاويًا من الداخل لن يملأَ فراغه كل ضجيج العالم الرقمي.

ودمتم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى