“لا يُذكرون في مجاز”.. رواية للعمانية هدى حمد تنتصر للغة الحب

أصدرت دار الآداب للنشر رواية “لا يُذكرون في مجاز” للكاتبة العمانية هدى حمد، وتجبر الروايةُ القارئ من الوهلةِ الأولى على الدخول إلى دهاليزها، وتشدُ حواسه؛ ليتسّمر حولها محاولاً ملاحقة سطورها بنهمٍ منقطع النظير، وقد لا تعتقهُ إلا مع آخر كلمة فيها.
نجحت الكاتبة _خلال الرواية_ في المشي على حبلٍ رفيع جمع ثنائية الروح والجسد، والعالم المادي واللا مادي -إن صح التعبير- بمهارة فائقة، وأظهرت اشتغالها الاستقصائي والتحليلي لحكايات الأساطير العُمانية، فيما استحضرت الأنثى أكثر من شقيقها الذكر؛ سواءً بالشخوص أو حتى بالتأثير في مجرى الأحداث، بداية من الراوية أو الحفيدة المختارة والجدة وانتهاءً ببثنة الثائبة وصفيراء والخبابة، كما انتصرت لغة الحب في الرواية بطريقة متنوعة؛ فالحب جعل النجمة تنزل للأرض، والزوجة تشي بزوجها رحمة به، والأب يخاطر بحياة ابنه رأفة له تارة ورقة لدموع زوجته تارة أخرى، وحتى العلاقة التي تجمع الإنسان بالحيوان تعلقت بالحب وانتهت بالتضحية والذهاب إلى المجهول في مصيرٍ أبدي مشترك.
هدى حمد تفننت بالانتقال السلس بين الأحداث، ووضعت الحكايات المروية عن الجدات في موضعها الصحيح بدقةٍ وإحساسٍ بالمكان والزمان، علاوة على نقل المشاعر بذائقة مرهفة وسط حياة مرعبة يغلفها الموت والنفي والسحر والشعوذة، وحتى الأشرار كانت لهم تلك المساحة من مشاعر العشق والهيام والتضحيات.
وتتماهى الأزمنة _في الرواية_ بلا انقطاع وفواصل متباينة، وتتمازج “الكراكترات” بلا كلفة وتصنع، ويتنوع السرد في كتلة واحدة، وتطرح الأفكار دون توجيه، علاوة على الاستدعاء الدائم للتأمل المفتوح على فضاءات شتى، فالرواية كُتبت لتستنطق القارئ وتستفز مخيلته وعقله الواعي وربما اللا واعي لإدراك الحقيقة.
تجسد “لا يُذكرون في مجاز” الخليط المجتمعي في النسيج العُماني والعربي ولا تنفصل عن الواقع العالمي، فما ستقرأه في الرواية يمكن صنعه أو تخيله من فلم “هوليوودي”؛ ولعلَّ مشهد الرمة ونبش القبور والتصرف بالنذور يتقارب على نحوٍ ما من سلسلة (وينزداي آدامز)، وقد أحسنت هدى حمد –أيضًا سبك خاتمة الرواية *”كما قال ألماس يا صغيرتي: يمكنكِ الآن أن تصنعي قصتك..”*، فهناك صفحة لا تغلق بشكل مستمر *”أريد الآن أن أعود إلى كنبتي الصفراء، لأكتب شيئًا”*، وأعتقد أن من لا يُذكرون في مجاز ليسوا منسيين؛ هم من خُلدت حكاياتهم وكانوا السبب في كل ما حدث لا المُسبب.
على جانب آخر فيبدو أن قيمة القراءة بُثت من خلال الرواية بطريقة أو بأخرى؛ فهناك مشهد المكتبة في البيت وهو من أكثر المشاهد المعبرة عن ذات الكاتبة الواقعية، وهناك المنسيون الذين يقرأون على الغالب، وأن من يقرأ هو صاحب الأثر، ومن يريد الوصول للغاية يجب أن يقرأ، حتى وإن كان *”لا يكفي أن تقرأ؛ يجب أن تعرف”* يجب أن نقرأ ثم نقرأ ثم نقرأ.



