حين تحدث الدخان.. قصة قصيرة عن الهروب من الحياة ومواجهة الذات

في عالم يضيق بأحلام الشباب وتثقل فيه المسؤوليات كاهل الأرواح الصغيرة، تولد أحيانًا معارك صامتة لا يراها أحد. “حين يتحدث الدخان” قصة قصيرة ترصد لحظة مواجهة داخلية بين إنسان وظله، بين الهروب والحقيقة، بين سيجارة تحترق وقرار قد يغيّر المصير.

نص قصة ” حين تحدث الدخان”

وُلد آدم في بيتٍ ضيق على أطراف المدينة، بيتٍ يزدحم بالصمت أكثر مما يزدحم بالأثاث. أبٌ مثقلٌ بمصاريف إخوةٍ كُثر، لا يعود إلا مرهقًا، وأمٌ منهكة بالديون والمرض. كبر وهو يحمل شعورًا ثقيلًا بلا جدوى، كأن العالم خلقه بلا مكانٍ يخصه.

في تلك الليلة، جلس في غرفته الضيقة، جدرانها متشققة كأنها تحفظ سرَّ انكساره. على طرف سريرٍ حديدي أكل الصدأ أطرافه، وضع سيجارة بين يديه المرتعشتين. الطاولة الخشبية الصغيرة بجواره كانت تحمل منفضة مكتظة بأعقاب سجائر متعبة، والنافذة نصف المفتوحة سمحت لريحٍ باردة بالدخول، لكنها لم تُطفئ اختناقه.

لفَّ سيجارته وأشعلها. سحب نفسًا عميقًا حتى شعر بأن صدره امتلأ بأكثر من الهواء… امتلأ بثِقلٍ يتسرب إلى داخله. ارتفع الدخان في دوامةٍ غريبة، يلتف ويتشكل، لكنه لم يكتسب ملامح، بل توجَّه نحو الزاوية، حيث بدأ الظل على الحائط بالتحرك ببطء.

ظلّه الرمادي الغامض، الذي كان ساكنًا، بدأ يتمايل كأنه يرقص على إيقاع الأنفاس.

الظل (بصوت يرتجف في أذنيه): أخيرًا قررت أن تراني؟!

آدم (مذهولًا): من أنت؟

الظل: أنا صديقك الوحيد، أنا أنت حين تتخلى عن كل شيء.

آدم (بصوت متردد): لكنني أزداد اختفاءً كلما اقتربتَ مني.

الظل (مبتسمًا بمرارة، وظل ابتسامته يتمدد): لأنني لست حياة… أنا مهربك من الحياة.

ارتجف قلبه، لا خوفًا من الظل، بل من صدقه. كان يعرف أن كل نفخة تسرق يومًا من عمره، ومع ذلك، لم يستطع أن يُبعد السيجارة عن فمه. وكلما نفث نفسًا جديدًا، كان الظل ينمو ويتسع، يمد أطرافه على الجدران، يتسلق نحو السقف كأنه يبتلع الغرفة.

ظلَّ آدم في مكانه، يتأمل ظلَّه وهو يكبر، يحيطه ويغلفه. السيجارة بين أصابعه تحترق ببطء، ورمادها يتساقط على الأرض. رفع عينيه إلى الظل وهو يزحف نحو السقف… ثم توقف، وبدأت عينان مغلقتان تظهران في وسط الظل، تشبهان عينيه.

توقف الظل عن التمدد، وبقي هناك، ثابتًا على الحائط. وبقيت السيجارة في يد آدم تحترق ببطء، ووجد نفسه أمام قرارٍ ثقيل: أن يلتقط نفسًا جديدًا من السيجارة ليزداد الظل قوة… أو يُطفئها ليبقى الظل هادئًا، في مكانه.

“حين يتحدث الدخان” ليست مجرد قصة عن سيجارة وظل، بل حكاية عن المواجهة. عن اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه، بين الاستسلام والهروب، وبين الشجاعة والاختيار. فكل ظلٍّ لا يكبر إلا بقدر ما نمنحه من ضعف، وكل نورٍ يبدأ بقرار صغير… ربما يكون في إطفاء سيجارة.

اقرأ ايضا:

مفاجأة رمضان 2026.. عبلة كامل تعود بعد غياب 8 سنوات وتشعل السوشيال ميديا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى