الناقد أحمد فرحات يكتب: هند والعسكر

الناقد أحمد فرحات

تقدم رواية “هند والعسكر “، ورواية ( غراميات شارع الأعشى ) المتطرف الديني لتدينه، و في الوقت ذاته تكشف عن متطرف ثان، تمثل تطرفه في شذوذه، وخروجه عن قيم المجتمع الذي يعيش فيه، بل يتمرد داعيا إلى الخروج عليها، وبذلك يكون النص قد خلق نوعين من التطرف من حيث يدري الكاتب، أو لا يدري شخصية متطرفة، أراد من خلالها انتقاد تطرفا دينيا، لكنه و هو يفعل ذلك، شارك إلى جانب عنف السلطة في إنتاج هذا التطرف الديني.

إن سلوك الشخصية في رواية(هند والعسكر)، خاصة شخصية المرأة في سعيها لكسر ثقافة المجتمع المتعلقة بالأنثى، تتطور لتصبح شخصية باعتبار أن المنظور الاجتماعي للعنف يتسبب في اختلال توازن العلاقات الاجتماعية سواء بين أفراد المجتمع، أو بين العائلات، أو بين المجتمعات.

تعالج بدرية البشر في رواية (هند والعسكر) التطرف من منظور ديني واجتماعي وفكري أيضا ولاسيما وهي تبدأ بداية لاهثة حول تصوير الأنثى في الرواية بدءا من الجدات ثم الأولاد حتى الأحفاد، ومعظم -إن لم يكن -جل الشخصيات التي تناولتها شخصيات أنثوية بارقة، منهن (عموشة) التي تحررت من العبودية ولم تتحرر فتقول عنها: “ظلت الفتاة الصغيرة ذاتها يقف شعر رأسها وترتجف خوفا كلما نادها أحد من الأعمام والعمات فتهب واقفة من دون إرادتها.
سمّ يا عمي، سمي يا عمي.

لا تجرؤ أبدا على رفض طلب لهم، حتى لو كانت ترتعش من الحمى، أو يقطر منها دم النفاس، فتنهض من فراشها لتوقد التنور وتخبز أو تحمل خروفا وترفعه من القدر ، تطبخ عشاء أفرح أعمامها وولائمهم حتى وهي حرة، وتأخذ أجرها ثيابا في العيد أو قروشا فضية أو أي شيء من حاجات المنزل الفارهة، كالهال والقهوة وفي ما بعد ، حين صارت أكياس الأرز تصلهم من الرياض، كانوا يمنحونها قدرا ممتلئة من الأرز تطبخه في بيتها، لتطعم أولادها الأحرار”.

أوضحت بدرية البشر في هذا المقطع من الرواية حياة العبيد في المملكة، وكيف ظلت العبودية عالقة بهن حتى بعد تحررهن، وحياة العبيد التي جسدتها الروائية في شخصية عموشة ومعاناتها من التميز الطبقي في المجتمع قبل وبعد التحرر، ففي حياتهن العامة والخاصة ميول مرهفة للاستعباد واستعذاب الرق كنمط حياة اعتدن عليه منذ نعومة أظفارهن حتى بعد التحرر، وغدا استعذاب الرق يجابه بعنف فكري فلا تجرؤ امرأة أن تذكر اسم زوجها بعد الزواج، ويعبرن عن اسمه بـ(الهو)
“كانت تخجل من ذكر اسم زوجها صراحة فتسميه”هو” وتقول: “هو ذهب” و”هو جاء”
من هو هذا الهو فتضيق بإلحاحهن دافعة بهن عن حصارها لما لا تجسر على ذكره.
هو فيضحكن عليها وعلى خجلها وسذاجتها غير المعهودتين بينهن”.

تقول البدري عن نوع من العنف يسمى الآن “تحرش” وهو فعل مشين، ترفضه الفطرة السليمة ويرفضه الدين: كل رجال القرية أعمامها، لا تجرؤ على مخالفتهم، ويحق لكل عم لها أن يخبطها على رأسها أو يلاحقها بغزل مستتر أو يدس يده في فخذها، وهي تفر هاربة منه خوفا من والدتها التي تعاقبها لو اشتكت من هؤلاء الأعمام.

التحرش ظاهرة فظة، توجد في كل المجتمعات، وتعود إلى ثقافة المجتمع ووعيه. التحرش عنف، وإيذاء نفسي خطير، وهو اعتداء على النفس والله تعالى لا يحب المعتدين. والكاتبة منذ عتبة الرواية تجابه الأنوثة في مقابل القوة والعنف(العسكر) والحقيقة أن كلمة العسكر بهذا الشكل يعد منتهى العنف ، فالعنف باد منذ العنوان نتيجة تصادم الفتاة مع سلطة عليا، وقوة كبرى، أعلى وأقوى منها مما يشي بأن العنف هو نتيجة التغذية المرجعية للمجتمع الذكوري فقد تغذى على أفكار سائدة في المجتمع وموروثة من باطنه وجوهره، في ظل غياب الأفق التنويري الذي يؤدي لتحجيم عوامل نشوء العنف.
ولعلنا نلحظ أن بدرية البشري ركزت كل التركيز في هذه الرواية (هند والعسكر) على العنف بأشكاله وأنوعه المختلفة من خلال شخصياتها التي استمدتهم من البيئة السعودية.

هذه الرواية التي تتخذ شكلا سرديا مختلفا عن الاسلوب المعتاد في الروايات المتداولة، هي التصريف الثالث على كل الاصعدة اللغوية والذكورية والانثوية والبايلوجية والصوفية، حيث تبدأ أولا ببنائها الفوقي (اللغة) التي تكرس الفكر كقواعد وتنحدر الى قاع الجنس والعلاقة الاجتماعية المهلهلة المرتبطة به، وتنحدر اكثر الى قاع البايلوجيا الانسانية، قبل ان تضع لمسات على البناء الفوقي الاكثر خطورة وهو الدين الذي يضفي هالة القدسية على هذا التصريف.. قدسية تمتد الى اللغة والى القواعد التي وضعها للجنس والحياة الاجتماعية.)).

(هند والعسكر) ليست رواية تقليدية لا من حيث الثيمة الموضوعية ولا من حيث أسلوب السرد والوصف المميز جدا، فهي حجر قوي يلقى في بركة راكدة ، وصوت معبر يستفز ساكن التقليد والسلوك المتوارث في مختلف المجالات ومنها العادات والتقاليد ، والمكتب والبيت والجامعة وصوامع التصوف… إنه الكارت الاحمر يرفعه المثقف/ة الواعي/ة بوجه فعل الامر الذكوري، هذا الفعل الدال على الاجبار وليس الاختيار، هذا الفعل الذي لا مكان له في اللغة بعد فعل الماضي والمضارع الذي يفيد الحال والاستقبال، ولكنه الحصن المنيع حيث تتمسك بها القوة صاحبة القوة والهيمنة والتسلط سواء على مستوى السلطة العليا كالحكومات وطبقاتها المهيمنة على كرسي الحكم التي لا يمكن أن يكون لها وجود من دون الأوامر والفرمانات الصادرة فهي الآمر والناهي وأن سر بقائها وديمومتها يعتمد على دوام فعل الامر، واستجابة الناس بمختلف مواقعهم وطبقاتهم لهذه الأوامر.

اقرأ ايضا:

الناقد أحمد فرحات يكتب: سينما الورق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى