الناقد أحمد فرحات يكتب: عائشة السيفي والقاسمي
في لفتة نقدية ظاهرة تتجلى عمان في الشعر والرواية بصورة المنتصر في سباق التنافس حول الجوائز والمسابقات التي تعنى بالفنيين معا.
فقد فازت عائشة السيفي وهي امرأة بإمارة الشعر في أبريل لعام 2023م وهو حدث جلل، يجب أن نفرد له ديوان الشعر العربي المعاصر فصلا كاملا بالتأمل والنظر والدرس في نوعية النص أو مجموعة النصوص الفائزة عن طريقها شاعرة عربية، أيا كانت جنسيتها. وفي العام نفسه والشهر التالي مباشرة مايو أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية فوز الكاتب العماني زهران القاسمي بالجائزة عن روايته تغريبة القافر.
أما عن فوز الشاعرة العمانية عائشة السيفي بإمارة الشعر لهذا العام، وفي الدورة العاشرة من البرنامج، المعروف باسم أمير الشعراء، قامت الدنيا قيامتها، وبدأنا نسمع هسيسا هنا أو هناك، فكيف لامرأة أصلا أن تفوز باللقب المحجوز قبلا للذكور؟ وكيف تقول شاعرة :
يدُ غضة تفرك الغيم
قط يطير برجلين
بحر على تلة يجلس القرفصاء
في قصيدة تحمل عنوان(أسئلة سقف الليل) وهو عنوان يشي بالكثير من دلالات غامضة لما يمكن أن يحدث من تساؤلات ليلية تؤرق صاحبها أرقا شديدا، كتلك التي أرقت صلاح عبد الصبور في مذكرات الملك عجيب بن الخصيب خشية ضياع ملكه فقال:
لقد خلطت أكئوسا بأكئوسٍ كثارْ
ثم مزجت أخضرا بأسودٍ بنارْ
شممت خلطة البَهار ، ثم غصت في البحار
حين رأيت رأي العين طائرا برأس قردْ
وحينما أراد أن يقول كلمة نهقْ
وكان له ذيل حمارْ
ضحكت حتى قضقضت ضلوع صدري
ثم غفوتُ
رأيتُ في المنام أنني أقود عربةْ
تجرها ست من المهاري
تجول بي الوديان والصحاري
وفجأة تحولتْ خيولُها قططا
تمشي إلى الوراء ، وجهها ، عيونها تبص لي شرار
ثم غدت عيونها نجوما
هذا النجم .. النجم القطبي
الدب القطبي الأبيض
صارت قططي دببةْ
يخطو نحوي الدب القطبي ليأكلني
أو يأخذني ليعلقني في فكه
أتخيل أني قد علقت بفك الدب الأبيض
إني أتدلى من أسنان الدب الأبيض
ومن هنا نلتمس طرف الخيط إذ كيف وظف عبد الصبور المنام مع حالته شديدة الخصوصية، وأنه يخشى ضياع ملك الملك خصيب تلك الشخصية الكاريكاتورية في المنام والأحلام، أو يخشى قتله من ولده أو الطامعين في الملك .
تماما عند عائشة السيفي التي باتت ترمق الليل وتتساءل أسئلة وجودية، فترى في ليلها ما ترى في الحقيقة التي نحتتها بيديها، كما تشتهي؛ فيدها الضعيفة تكاد تفرك الغيم، والقط يطير ، والبحر يجلس فوق تلة جلسة القرفصاء، وهي صورة مفزعة للإجابات التي جاءتها لأسئلة وجودية حاسمة.
ولذا لا نرى انتقاصا في أبياتها، ففي الليل تحتشد الذكريات، وتحتد الألام، فيبوح الليل بأسراره العجائبية المفزعة نظرا لعجائبية الأشياء من حولها، مما يجعل البحر يجلس فوق تلة جلسة القرفصاء. كما تقول في قصيدة “أسئلة سقف الليل”:
القصيدة من نوع شعر التفعيلة، لأنها نظمت على المتقارب، وقد ألحت الشاعرة على قافية واحدة من نوع المترادف الذي ينتهي بساكنين: ألف المد والهمزة الساكنة.
وما حاجتي للبكاء الطويلِ
إذا كنتُ سيدةً من غناء
وما حاجتي إن غدا البحر أرجوحتي
وسريري السماء
وما حاجتي للمرايا
إذا أودعتني وجوهَ جميعِ النساء.
وما حاجتي للنجومِ إذا كنت أقطفها بيديَّ
وألقي بها في الهواء
و,ما حاجتي للكلامِ
وقد عبّأ الله في دمعةٍ كربلاء
وما حاجتي في المساء
لحضن من الطين
إن كنت أحمل حضني معي
مثلما تحمل الريحُ لي ضحك الأصدقاء
وما حاجتي للحقيقةِ
إن كنتُ أنحتها بيديّ
كما أشتهي
تارةً تلو أخرى
فلي من مآربها ما أشاء
يدٌ غضة تفرك الغيم
قطٌ يطير برجلين
بحرٌ على تلّة يجلس القرفصاء
وما حاجتي “لرخامٍ”
إذا كنت زوجة هذا التراب
وأمَّ الصحاري التي تنجبُ الأنبياء
وما حاجتي للخريطةِ مذ أخبرتني البلادُ
بأن “النعوش” بلاد المدانين بالانتماء
وما حاجتي “للأنا”
والهواء الذي في الرئاتِ لنا كلِّنا
والسماء التي تسحبُ الشمسَ من وجنتيها لنا كلِّنا
والتراب صديق القبور
لنا كلنا
والغروبُ ورائحة البحر والظلّ والظلمات
لنا كلُّنا والفضاء
وما حاجتي وأنا حين ينتصف “الليلْ”
تَنْبُتُ أجنحة من موسيقى
وأصبحُ سيدةً من غناء.
أما على مستوى السرد الروائي فقد جاءت رواية تغريبة القافر برمتها لتعبر عن قرية المسفاة العمانية ، يسرد قصص أبطالها ببساطة فنية مريحة جدا للقارئ الخليجي فقط، لكن هذا ربما يحسب للكاتب، فهو يريد أن يلقي الضوء على لهجته العمانية الموغلة في البداوة. فمن رحم الموت يخرج سالم من بطن أمه مريم الغريقة في بئر بالقرب من منزلها.
ثم يشب الطفل على ما شبت عليه قريته المتواضعه واجدا صعوبة شديدة في الحصول على الماء، ولكن الله وهبه ميزة كبيرة، أنه يستطيع تحديد الماء الجاري بين الوديان والجبال والسهول وتحت باطن الأرض، وينجح إلى حد كبير في ذلك حتى عرف بين أبناء القرية والقرى المجاورة بمهارته الفائقة في اكتشاف منابع الماء، سر الحياة.
التقى بفتاة أحلامه ، غادر وعروسه إلى قريته مكلومًا بوفاة والده، عاهد نفسه على ألّا يعود إلى هذا النوع من العمل، فقد أَوّل فيه أسباب شقائه وتعاسته. لكنه بعد سنواتٍ وافق على العمل في قريةٍ أهلكها الجفاف؛ إذ كان العرض كافيًا لأن يتخلى عما عاهد عليه نفسه.
لم يحالفه النجاح، فاستبد اليأس والإحباط بمن عملوا معه ومَنْ وضعوا فيه آمالهم، كلّهم غادروه، عاوَد العملَ بمفرده كمحاولةٍ أخيرة، انفجر الماء، وسحبه إلى الأعماق، حاول النجاة، لكن من غير جدوى؛ فعاش في محبسه المائي على ما يتوافر في سراديبه من هوام وعناكب.
أما امرأته فقد تمزّقت بغيابه، مُبَدِّدة الزمن برعي أغنامها، كما شرعت في غزْلِ الصوف، غازلةً به أيام انتظارها عودة سالم. منح الحظ سالم فرصةَ نجاةٍ جديدة، حينما عثر على مسماره ومطرقته، حاول توسيع فتحة خروج الماء؛ كي تتسع لخروج جسمه، لكنه فقد المسمار ثانية، فاستعرَ غضبُه، واكتفى بالمطرقة، ضرب بها الصخر بقوةٍ، ثارت فيها فصول مأساته وذكرياته وغيابه وعذاباته، تهاوى الصخر، وانفتح الطريق؛ فاندفع فيه الماءُ جارفًا معه كل شيءٍ، بما في ذلك سالم.
فهل فوز اثنين من أدباء عمان بالجائزتين الكبيرتين في عام واحد يعد عملا مشروعا أم موجها ؟
اقرأ ايضًا:
الناقد أحمد فرحات يكتب: ناهده شبيب
