الناقد أحمد فرحات يكتب: سامح محجوب

يبدو أن الشاعر سامح محجوب سيملأ الدنيا ويشغل الناس في الفترة القادمة، لما يقدمه من نصوص مشكلة، وإن كنت أؤمن بموهبته الفذة وتقدمه على أبناء جيله من حيث السبق إلى الاغتراف من الحداثة الشعرية بشكل سريع ومتطور، ومن يقرأ أعماله منذ بداياته حتى الآن يلحظ تطورا لافتا في علاقته بالنص الشعري، من عمل إلى آخر. فيمكنك أن تلج عالمه الشعري وأنت بمقدورك أن تتزود بدفقة هائلة من الثقافة والمعرفة لشاعر درعمي أصيل، قرأ التراث بوعي واقتدار وأضاف إليه عدة أعمال سيقف أمامها النقاد في وقت لاحق، يكشفون أسرار لغته، وصرامة محافظته على التفعيلة، وحدة عباراته، وتشابكها مع أفكارك، ربما يزيدك تأكيدا على المضي في قراءة منجزه كله، أو تركه كلية.    

وللغة العربية -في التعابيرالسرية أو الخاصة عن الجسد-رفاهية مفردات وليس تراكيب؛ فمعاجم اللغة زاخرة بالمفردات الجسدية السرية، أما التراكيب فتكاد تكون قليلة للغاية، وإن امتلأت كتب التراث العربي بهذا الضرب من التراكيب والجمل، وربما تجاوزت بطون الكتب إلى عتباتها الأولى. والغريب أن المرأة المصرية كان لها السبق في هذا الميدان المشكل حقا، فالشاعرة المصرية جويس منصور (1928-1986) لها ديوان كامل بعنوان”افتحْ أبوابَ الليل)صدر في ألمانيا سنة 1998م، وترجمه إلى العربية بشير السباعي، تقول في قصيدة”صرخات”:

رذائل الرجال

ميدان اختصاصي

جراحهم مغانمي اللذيذة

أحب أن ألوك نواياهم الخسيسة

لأن دناءتهم تصنع جمالي

إذًا؛ لم يكن سامح محجوب متفردا في الشعر الإيروتيكي، ولكنه سار في درب مزدحم بالشعراء والشواعر ممن تغنوا بأعضاء الجسد ورغباته ونزواته وشرهه،وللحق والإنصاف فإن الشعراء المصريين كانوا أكثر حفاظا على الأخلاق والقيم  من غيرهم ممن تناول الشعر الإيروتيكي في باقي البلدان العربية. وبناء على ما تقدم فإن الأدب الأيروتيكي يعول على الحرف وإيحاءته الجنسية، وظلال الرغبة المنتفضة عند مجرد قراءته، وإعمال الخيال فيه. فهو أدب كاشف لما يعتلج في النفس من رغبات ونزعات شهوانية، وليس مرده نظرية فرويد الجنسية بقدر ما ماهو تنفيس عن تلك الرغبات المكبوتة في أغوار النفس.    

هل استطاع النص المحجوبي أن يعادل بين فكرة الإيروتيكية باعتبارها فكرا إباحيا خارجا من أقانيم الجنس ومشتقاته وبين عناصر الإبداع الشعري المتعارف عليها؟ بمعنى: هل تحققت في النص المحجوبي المعادلة الصعبة بين تقديم نص شعري خال من الإسفاف والهرطقة؟ تأمل قوله:

لا تَشغلُني هندسةُ الأعضاءْ
الطولُ – اللَّوْنُ – الحجمْ
رسمٌ تخطيطيٌّ لا أكثرْ
ما دُمتُ سأمنحُها شَبَقي الصحراويّ
ما دمتُ سأمنحُها رُوحي الملتاثةَ بكْ
فاجلسْ تحتَ قِبابي واستغفرْ
قُبَّتيَ كَنيسةْ
ولسانُكَ أجراسْ

لم يهبط النص إلى مستوى الإسفاف ولا الهرطقة؛ بل تمخض عن موقف  شبقي مفرد، جاء في لغة منتقاة بعناية شديدة، معجمها مُكَوِّنٌ لشبكة دلالية محددة، تحت كل مفردة لغم، وفي كل جملة شَرَك، وفي كل سطر بركان متأجج، وفي كل تشبيه أصوات تئن، وآلام تتفتح، وآمال تتقد، وتحت كل صورة رائحة الشهوة تفوح، فما عليك إلا أن تقرأ: شبقي الصحراوي/الجلوس تحت القباب/ شمس الرغبة/ سريري/ الإصبع والخاتم/الزفرة/ الآهة/ الورد الطاعن/مواء القطة تحت ثيابي/ جسدي أفواه عطشى/ ضاجعت أثاث البيت/ ضاجعت أناملي/ خيال ساخن/ كوة ضعفي.. لتنفجر ألغام الكلمات، والتراكيب، والصور، واللغة بشكل تلقائي وعفوي.    

يربط بارت بين لذة النص ولذة الجسد بقوله: إن لذة النص هي اللحظة التي يتبع فيها جسدي أفكاره الخاصة. لذا يمكنك أن تلج النص من عتبته الأولى(شبق انفرادي)، وتكتشف وحدك اضطرام النار في جسد يلوب ويتلوى ألما، يمكنك وحدك -دون وسيط- أن تعبر جسر النص عَبْرَ مفردتين اثنتين(شبق/انفرادي)يؤدي ظل الأولى إلى ما يخالف الثانية، فالأولى تشير إلى القوة المفرطة في الرغبة الجنسية، ولا يتأتى إلا من وجود طرفين مختلفي النوع، ليتكاملا، ويصلا معا، وتجيء ظلال الثانية لتشير إلى الوَحْدة والإفراد، مما يصيب المتلقي بالدهشة والمفاجأة والتساؤل، وربما الحيرة نتيجة تناقض الكلمتين المجتمعتين معا في عنوان النص. فالكلمة الأولى رغم إفرادها فإنها تنتمي إلى حقل التثنية، والكلمة الثانية تنتمي إلى حقل الإفراد، مما يشي بالمعاناة والألم الناجم عن ظلال الكلمتين، وأثرهما الكبير في النفس. ومن خلال هذا التركيب الملغز يرهص الشاعر بمضمون النص وفحواه، فالعنوان كاشف وغير ملبس، مغوٍ ومثير من غير تطويل.

يلج الشاعر سامح محجوب باب الشهوة عبر جغرافيا الجسد الملتاع والمتخم بهموم الرغبة، على لسان أنثى يقتلها ظمأ الغريزة الفطرية، تنتمي هذه الأنثى إلى بيئة أشد ظمأ(صحراوية) …  وهو هنا إنما يقوم بدور النقل عن عالم الأنثى الرحب، وليس ثمة تعبير عن الذات ههنا، فالنص ينتمي إلى الشعر الإيروتيكي، وليس الشاعر إيروتيكيا بطبعه، بل يتمثل ويصور ويصف حالة من الحالات الشعرية المسكوت عنها، رغم توافر مادتها. وقد قرأت منجز سامح محجوب الشعري فلم أعثر فيه على نزعات إيروتيكية كثيرة، إن هي إلا شذرات ولمعات يتطرق إليها أحيانا عبر النص رغبة في لفت الانتباه والتميز عن الآخرين.

اقرأ ايضا:

الناقد أحمد فرحات يكتب: سامح محجوب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى