السفير البريطاني في حوار خاص: لا حل عسكريًا للحرب.. والمفاوضات الطريق الوحيد لضمان أمن الخليج

أجرى الحوار: أسامة مهران

في توقيت بالغ الحساسية تعيشه المنطقة، ومع تصاعد التوترات العسكرية في الخليج، أجرت صحيفة “البلاد” حوارًا خاصًا مع سفير المملكة المتحدة لدى مملكة البحرين أليستر لونج، للحديث عن تطورات المشهد الإقليمي واحتمالات التصعيد أو التهدئة.

وخلال الحوار، أكد السفير البريطاني أن الحلول العسكرية لن تنهي الصراع في المنطقة، مشددًا على أن الدبلوماسية والمفاوضات هي السبيل الوحيد لإحلال السلام وضمان أمن دول الخليج. كما تطرق إلى عدد من الملفات المهمة، من بينها أمن الملاحة في مضيق هرمز، والتعاون البحريني البريطاني، ومستقبل اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين.. وإلى نص الحوار..

سيناريوهات اللحظة

بادرته بمجموعة من السيناريوهات ومؤشر القراءة يميل لصالح سلام قريب “مؤقت” أو على المحك. لحسن الطالع، وافقني السفير البريطاني الخلوق على تغيير “رشقة” الأسئلة وتعديل بوصلة الحوار بعد أن كان لابد من ملاحقته بالسؤال التالي:
– الجميع يتساءلون عن السيناريو الأسوأ في مشهد حرب إيران الثانية وعن السيناريو الأقل حدة إذا ما تفرقت السبل بالمفاوضين الأشاوس مع أطراف الصراع، كيف ترى السيناريو الأقرب للتحقق خلال الساعات القادمة؟ سلام أم لا سلام؟

– لا حلول عسكرية في الأفق، السلام هو الحل.
– مثلما تعلم يا سعادة السفير بعد المهلة التي حددها ترامب لإيران أمس أو قبل أمس والتي سوف تنتهي السابعة مساءً بتوقيت واشنطن والثالثة من فجر أمس الأربعاء بتوقيت الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، والتي كانت تحمل وعيدًا مباشرًا من ترامب لطهران، “افتحوا مضيق هرمز وإلا سندمر إيران”، بعد أن وجه ترامب التهديد الواضح كان لابد وأن نحاول استقراء المشهد الدراماتيكي بشيء من الفحص والتأني، هو ما يدفعني إلى الحديث معكم عن ثلاثة سيناريوهات الجميع يتحدثون عنها، ما رأيكم في هذا الوضع؟ وكيف تقيمون المشهد والمفترض أننا في قلب الحدث ولسنا ببعدين عنه؟
– نعم، أعتقد أنك محق، أظن أن الكثير من الناس يطرحون ثلاثة سيناريوهات يمكن أن يكون أحدها قابلاً للتحقق بعد ساعات قلائل من الآن:
الأول: استمرار الصراع وتفاقم التصعيد.
الثاني: جلوس الطرفين على مائدة المفاوضات والتوصل إلى اتفاقٍ “ما”.
الثالث: أن يتم الاتفاق عبر الوسطاء ويتم تمديد المهلة وفقًا لما قد يستجد من أحداث.

من الصادم جدًا!
تسألني عن وجهة نظري في تلك السيناريوهات، وأيهما أقرب إلى التحقق خلال الساعات القادمة – الكلام لسعادة السفير البريطاني – مثلما قلت أنه لا يوجد حلًا عسكريًا لهذه الأزمة، وأنه يجب العودة إلى الدبلوماسية ومحاولة التوصل إلى اتفاق، ولكن الأهم أن يكون هذا الاتفاق ضامنًا لأمن المنطقة، تمامًا مثلما أعتقد أنه من الصادم جدًا رؤية إيران وهي تهاجم دول الخليج، حيث ترغب دول الخليج عند التوصل لأي اتفاق أن تحصل على ضمانات بعدم تكرار ما حدث من عدوان عليها، بالإضافة إلى ذلك فإن هناك ما يكفي من التصريحات الأمريكية والإسرائيلية التي تشير إلى أن سبب هذا التصعيد هو شعورهما بتهديد سببه طموحات إيران النووية وصواريخها الباليستية، لذلك سيكون من الضروري التأكد من أن إيران لن تكون قادرة على تهديد دول الخليج كما هو الحال الآن.
في الوقت نفسه – الكلام مازال لسعادة السفير – نحن نؤمن جميعًا بإيران كدولة، وبوحدة أراضيها وتفخر بشعبها، وهناك عدد كبير من الإيرانيين الذين يفخرون ببلدهم ربما ليس بالضرورة بهذا النظام الحالي، بل ببلدهم التي يتطلعون معها إلى مستقبل أفضل، لذلك، يجب أن يكون هناك مستقبلاً يمكن أن يتفق الجميع حول ملامحه، مستقبل يسوده السلام والتعاون حيث يتم استثمار الثروات والإمكانات الهائلة لهذه المنطقة في التنمية والازدهار.
المفاوضات أولاً
– ورأيكم كدولة عظمى لها من المصالح والتأثير والتاريخ ما يمكن التعويل عليه كثيرًا في هذه المرحلة المفصلية التاريخية الصعبة؟
– بالنسبة للمملكة المتحدة، فنحن نريد أن نرى الأطراف المتصارعة وهي تجلس معًا على مائدة المفاوضات، وأن تحاول التوصل إلى اتفاق على الأقل بخفض التصعيد، وبالتالي محاولة التوصل إلى اتفاق شامل ودائم، وليس هشًا أو مؤقتًا، ذلك أننا لا نرى أية فائدة من استمرار الهجمات والهجمات المضادة من كافة الأطراف.

“المضيق” بين الحرب والسلام

– وهل يمكن للحكومة البريطانية القيام بأي دور، أو تتخذ أي قرار إذا أصرت إيران على عدم فتج مضيق هرمز؟ ما رأيك في تصريح سابق لترامب عندما قال بأن من يريد النفط فليذهب ويحصل عليه؟
– أعتقد أن ذلك مرتبطًا بما قلته في سياق آخر، حيث لا نعتقد نحن أنه يمكن فتح المضيق بسهولة أمام الشحن التجاري في ظل الظروف الحالية، أما بالنسبة لأصحاب السفن والبضائع وحتى الأرواح فلن يكون من السهل إعادة فتح المضيق طالما استمر الصراع، وطالما تحاول إيران إلحاق الضرر عبر المياه، هذا سوف يخلق بيئة غير آمنة للملاحة، لذلك فإن إعادة فتح المضيق مرتبطة بشكل وثيق مع خفض التصعيد بل والتوصل إلى اتفاق، وعندما نصل إلى بيئة شبه آمنة فإنه يمكن للمملكة المتحدة أن تتخذ خطوات لدعم الملاحة وتحسين بيئتها، وإزالة الألغام إن وجدت، بالإضافة طبعًا إلى مرافقة السفن العابرة لتوفير مزيد من الطمأنينة لكن ذلك كله قد يكون غير ممكن إذا استمر الصراع، ولم يتم خفض التصعيد أو إيقاف العمليات العسكرية نهائيًا.
أيضًا – والكلام لسعادة السفير البريطاني لدى المملكة – فإنني أرى أنه من مصلحة الأطراف المتصارعة إعادة فتح “المضيق” ذلك أن إيران تعتمد عليه كمنفذ رئيس لصادراتها من النفط والغاز، أننا جميعًا بحاجة إليه من أجل ضمان تدفق السلع الأساسية، خاصةً أن هذا الأمر لا ينطبق فقط على مضيق هرمز، بل على جميع المضائق حول العالم، والتي يجب أن تبقى مفتوحة للملاحة الدولية ولا يمكن القبول أبدًا بإغلاقها أو التحكم فيها من قبل الدول المحيطة بها، هذا مبدأ أساسي في القانون الدولي ويجب العودة إليه.

دبلوماسية البحرين النشطة

– وما رأيك في الجهود الدولية التي تبذلها البحرين عبر دبلوماسيتها النشطة من أجل إحلال السلام الشامل والعادل في المنطقة بأسرها، وكذلك ما يتعلق بمضيق هرمز والحرب التي مازالت على المحك في المنطقة؟
– المملكة المتحدة تعمل على ذلك، وكذلك مملكة البحرين، التي تقود حاليًا قرارًا في مجلس الأمن بخصوص فتح مضيق هرمز فورًا أمام الملاحة البحرية، ونحن نثني على جهودها، خاصةً أن المملكة الصديقة قد أظهرت مهارة دبلوماسية حقيقية، وفهمًا للعمل متعدد الأطراف، حيث يجب التوصل إلى أرضية مشتركة في هذا الخصوص من دون التفريط في المبادئ الأساسية بأي حال من الأحوال.
المضائق شيء آخر
– وعما تم طرحه من فرض رسوم مرور يتم الحديث عنها بقوة حاليًا بين الدول المتصارعة على السفن العابرة لمضيف هرمز، خاصةً الولايات المتحدة وإيران، ما رأيك؟
– بخصوص فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز فنحن نعتبر ذلك محاولة للسيطرة على المضيق ونرفضها، فالمضيق ليس إيرانيًا فقط، بل تشترك فيه سلطنة عمان أيضًا، وهو كذلك ممرًا دوليًا، وإذا كان البعض يعتقد بأن ذلك يشبه الوضع في قناتي بنما والسويس، فهاتين القناتين داخل أراضي دولتين، ومن الطبيعي فرض رسوم مقابل خدمات الصيانة والإدارة، أما هنا فلا يوجد مبرر لفرض رسوم سوى الرغبة في فرض السيطرة، وهذا أمر غير مقبول، وبصراحة الحرب دمرت الكثير من الأشياء، ومن المؤلم حقًا رؤية حياة الناس تتعطل، والعائلات تتفكك، فضلاً عن عدد الضحايا الكبير، فلكل حياة نعتقد أن خسارتها مؤلمة، وحتى من يرتبكون الأخطاء يجب أن يُحاسَبوا لا أن يُقتلوا.

الجسر بين الاحتراز وسيولة الحركة

– قبل أيام سمعنا أنه قد يحدث إغلاق لجسر الملك فهد تحسبًا لأي مكروه، ولا يُخفى عليكم أن هذا الأمر يسبب قلقًا بالغًا بالنسبة للمواطنين في البحرين والمملكة العربية السعودية على حدٍ سواء، خاصةً مع إغلاق المجال الجوي يصبح هذا الجسر هو شريان الحياة والمتنفس الوحيد لمملكة البحرين بالتحديد، ما هي الوسائل الكفيلة بحماية هذا الجسر الاستراتيجي العملاق من أي عدوان؟
– الإغلاق كان مؤقتًا ويبدو أنه كان إجراءً احترازيًا بسبب الهجمات التي كانت تشنها إيران على المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، الجسر نفسه قوي جدًا، كما أن البحرين مستعدة دائمًا لمواجهة أي طارئ من هذا النوع حيث يتوفر لديها مخزونًا كافيًا من الماء والغذاء والدواء والكثير من الاحتياجات اليومية للناس، لذلك أعتقد أن التعامل مع الوضع لو أغلق الجسر مؤقتًا سيكون سهلاً ولا داعي أبدًا للذعر.
البحرين وبريطانيا
– مستقبل العلاقات بين المملكة ومملكة البحرين، كيف تراه بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها، خاصةً ما يتعلق بمنطقة التجارة الحرة التي كان مزمعًا المضي فيها قدمًا بين المملكتين الصديقتين؟
– معروف أن العلاقات بين البحرين وبريطانيا وثيقة وقوية وتاريخية، صحيح أن هناك اتفاقية تجارة حرة قريبة من الاكتمال، ويعود سبب تأخرها قليلاً حالة الحرب الراهنة، فالبلدان متشابهان – كلتاهما جزيرتان وكلتاهما تقتربان من نهاية الاعتماد على النفط، ويتم الاتجاه نحو الاعتماد على الابتكار والموارد البشرية، خاصةً أن المستقبل يكمن في الابتكار واحتراف التعامل بالتكنولوجيا الحديثة، والطاقة النظيفة، وتنويع الاقتصاد، هذه مجالات يمكن للبلدين التعاون فيها بشكل كبير.
الصواريخ والمسيرات ودفاعات البحرين
– وفي المجالات الدفاعية، كيف ترى التعاون بين البحرين وبريطانيا، خاصةً في ظل الدواعي الأمنية التي تفرضها أحداث الساعة حاليًا؟
– من الناحية الدفاعية، الحرب تتغير باستمرار، الأنظمة الدفاعية ضد الصواريخ المتقدمة، لكن الطائرات المسيرة تمثل تحديًا كبيرًا لأنها رخيصة وصعبة الرصد، عمومًا البحرين قامت بعمل كبير في الاستعداد والتخطيط، وكذلك في الابتكار العسكري، وقد أظهرت قدرة قوية على التعامل مع الهجمات خلال الحرب، وهو أمر لا تستطيع دول كثيرة أن تتحمله.

اقرأ ايضا:

المصرفي رشاد جناحي: الاقتصاد البحريني مرشح لانتعاش قوي بعد الحرب.. وكسر احتكار البورصة ضرورة لإنعاش السوق ( حوار)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى