الحكاية العربية.. من مجلس السمر إلى فضاء الإنترنت

كتب: أحمد جمال العربي

الحكاية لغة من الفعل (حكى/ يحكي ( أي قص يقص وسرد يسرد، وأخبر قصة حدثت على وجه الحقيقة أو الخيال وهي بذلك تشمل الحكايات الخرافية التي تعود لبدايات وعي الإنسان العاقل لذاته، ومحاولة تفسيره للموجودات والأحداث حوله، ثم إن بعضها أنشيء في زمان ما لمجرد الإمتاع والتسلية وتزجية الوقت، ويغلب عليها النسق الغرائبي العجائبي والخوارق والمغامرات.

الحكاية العربية

يصر كثير من الباحثين على التفريق بين الأسطورة والحكاية، غير أن ثلاثة مفاهيم هي الحكاية والخرافة والأسطورة لابد من التفريق بينها إجرائيا وإن كانت متداخلة، فالأسطورة تتصل بالمثيولوجيا، وهي ذات طابع ديني، إنها مغامرة العقل الأولى كما يسميها فراس السواح تتميز الحكاية الشعبية كما يرى (فراس السواح عن الحكاية الخرافية والحكاية البطولية بهاجسها الاجتماعي وموضوعاتها التي تكاد تقتصر على مسائل العلاقات الاجتماعية والأسرية منها خاصة. وهي جزء من محاولة الإنسان لتفسير الموجودات والأحداث، أما الحكاية فلا يبعد أن يكون بعضها تطور عنها، ثم إنها أخذت تلويناتها الشعبية.

فمنذ فجر اللغة الأولى، والإنسان العربي مشدودٌ إلى الحكاية كأنها نَبْضُ صوته القديم، وامتدادُ خياله الذي عبر الصحراء على أجنحة الكلمة. لم تكن الحكاية في تراثنا مجرّد تسليةٍ لليلٍ طويل، بل كانت وسيلة الوعي، وسرّ البقاء، ودفتر الذاكرة الذي كتبت عليه الأمة تفاصيل وجدانها، ومشاهد رحلتها من البداوة إلى الحضارة، ومن الخيمة إلى المدينة، ومن الرمل إلى الشاشة.

في مجالس السمر كانت الحكاية تولد من فم الحكّاء كما تولد الأغنية من وجدان المغنّي، تمتزج فيها التجربة بالحلم، والواقع بالأسطورة. يجتمع الناس حول ضوء الفانوس، والليل ساكنٌ إلا من أنفاسهم المندهشة، ينسجون مع الراوي خيوط الحكاية كأنهم ينسجون عباءة من خيال، يتنقلون معه من وادٍ إلى وادٍ، ومن بطولة إلى عشق، ومن مأساةٍ إلى فرحٍ ينتهي مع آخر جملة تُقال. كان الراوي يحفظ التاريخ لا كما تكتبه الكتب، بل كما يحفظ القلب ما يحبّ.

في تلك المجالس، لم يكن الراوي ينقل الحدث فحسب، بل كان يخلّده، يطعّمه بالحكمة، ويكسوه بنكهة المكان ولهجة الناس. كانت الحكاية تُروى لتعلّم، لتُسلي، لتزرع في الطفل بذرة الشجاعة، وفي الشيخ صبر الأيام. كانت اللغة هناك دافئة، منسوجة من رائحة القهوة ودفء الأنس، كأنها جسرٌ بين الأرواح قبل أن تكون جسراً بين الكلمات. ويدلنا التاريخ الثقافي للبشرية أن الحكاية دخلت ميادين شتى فأصبحت جزءاً من شعائر الصيد والزرع، واستنطاق الأقدار والإخصاب والإنجاب. وقد أقامت الميثولوجيا وعلم النفس عليها صلات وثيقة بينها وبين الطقوس، وبينها وبين الشعائر القبلية، وبينها وبين المرض، وبينها وبين العمل والسفر والتجارة ونشوء الطبقات والفلسفة والتاريخ… إلخ. وأخيراً دخلت الأدب والرواية والشعر كعنصر توظيفي لها. وفي هذه النقلة وعند حدودها يمكن تحديد سماتها التاريخية كنوع مستقل له قواعده وبناؤه، وكنوع موظف تضميني في أعمال أخرى. يرتبط نوعها المستقل بالبدائية وبأفعال الإنسان كلها، ولذلك شاعت لدى كل الشعوب وهذا ما نجده في الأساطير والخرافة والفن الشفاهي، ويرتبط نوعها الثاني بالرواية التاريخية، وبفترة نشوء الإقطاع واتساع دور الأسرة المالكة وتنوع ممارساتها. فكانت الرواية، وبخاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر تعتمد طرائق بنائية هي ذاتها طرائق الحكاية مع تبديل في الشخصيات والأحداث، حيث كانت الرواية ابنة الفعل الإنساني المتمركز حول بقعة أرض أو مملكة أو سلطة. وحتى مجيء رواية القرن العشرين بإنجازاتها التكنيكية الهائلة لم تختف الحكاية وعناصرها الأساسية من أي شكل من أشكال هذه الرواية حتى لنجدها وقد بدأت تؤثر في الوعي النقدي العام، بل وتفتح لها طريقاً لتدخل مفردات النقد الحديث عن طريق الأنماط العليا والأسطورة والميثولوجيا. وحتى النقد الواقعي الاشتراكي لم يغفل أثر الأدب الشعبي والحكاية من مفاهيمه إن لم يكن قد اعتمدها، وتعتبر المدرسة المستقبلية الأدب الشعبي والأسطوري أحد أهم عناصرها التجديدية.

ومع مرور الزمن، لم تمت الحكاية، بل تبدّلت أصواتها. صارت الحكاية كتابًا، ثم مسرحًا، ثم شاشةً تلمع في بيت كل عربي. تغيرت الوسائط، لكن الجوهر ظلّ واحدًا: حاجة الإنسان العربي إلى أن يقول “كنت هنا”، وأن يضع نفسه داخل نصٍّ يتذكّره.

واليوم، حين نفتح هواتفنا في ليلٍ طويل، ونتجوّل في فضاء الإنترنت، نجد أن الحكاية لم تبرح مكانها في القلب. فقط تغيّر شكل المجلس. صار “مجلس السمر” نافذة صغيرة على شاشة مضيئة، يجلس فيها ملايين الغرباء يتبادلون القصص، يروون تجاربهم، يضحكون، يبكون، يعترفون، ويخلقون أساطيرهم الرقمية كما خلق أجدادهم أساطير “عنترة” و”سيف بن ذي يزن” و”ألف ليلة وليلة”.

لقد تحوّل الإنترنت إلى خيمةٍ كونيةٍ جديدة، تتلاقى فيها الثقافات كما تتلاقى القبائل حول النار. الحكاية لم تعد حكراً على الحكّاء وحده، بل صار كل إنسان راويًا يكتب سيرته اليومية بالصوت والصورة والنصّ، يرويها للعالم بضغطة زرّ. لم تعد هناك تلك المسافة بين المتلقي والراوي، بل صار الجمهور جزءًا من الحكاية نفسها، يعيد تشكيلها بالتعليق والمشاركة والذاكرة الجمعية التي تصنعها الشاشات.

ومع ذلك، يظلّ في الحكاية الرقمية شيء من السحر القديم، وشيء من الفقد. فحين تُروى القصة على الشاشة، تبهت رائحة المكان، وتغيب دفء العيون، وتفقد اللغة شيئًا من موسيقاها الشفوية. يصبح السرد أسرع، والصورة أبلغ من الكلمة، لكنّ الروح التي كانت ترفرف بين جملةٍ وأخرى قد تذوب في زحمة النشر والتفاعل. ومع هذا، لا يمكن إنكار أن الحكاية وجدت في هذا الفضاء رحابةً جديدة، أطلقت أصواتًا كانت صامتة، وسمحت لقصص لم تكن تُروى أن ترى النور.

الحكاية العربية اليوم ليست فقط ما يُكتب في الكتب، ولا ما يُعرض في المسلسلات، بل هي أيضًا ما يُروى في مقطعٍ قصير، أو منشورٍ عابر، أو اعترافٍ إنسانيٍّ على صفحة شخصية. إنها تنتقل بين الأزمنة مثل طائرٍ لا يعرف الاستقرار، لكنها في كل عصرٍ تجد موطناً جديدًا وصدىً قديمًا. فكما عبرت من الصحراء إلى الورق، ها هي الآن تعبر من الورق إلى السحابة الإلكترونية، تحمل في جناحيها رائحة الماضي، وتفتح عينيها على المستقبل.

ولعل أجمل ما في الحكاية العربية أنها لا تموت، لأنها تشبه القلب العربي نفسه: مهما تغيّر العالم من حوله، يظلّ ينبض بالشوق إلى الجذور، وإلى ذلك المجلس الأول حيث اجتمع الناس حول النار، ليستمعوا إلى قصةٍ تُروى بصدقٍ، فيصمت العالم كله ليُصغي.

الحكاية، في جوهرها، ليست مجرد كلمات تُقال أو نصوص تُكتب، بل هي فعلُ إنسانٍ يواجه النسيان بالحفظ، والعزلة بالمشاركة، والموت بالحياة. من مجلس السمر إلى فضاء الإنترنت، ظلّت الحكاية العربية تروي الإنسان العربي كما هو: عاشقًا للكلمة، مؤمنًا بقدرتها على أن تمنح الأيام معنى، وأن تزرع في العتمة نجمةً صغيرة لا تنطفئ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى