خيال الظل… حكاية انتصار طفل يتيم على الخوف والصمت

في عالم يمتلئ بالوجوه العابرة، يولد أحيانًا طفل يملك ظلًّا أعمق من صوته، وحكاية أثقل من سنّيه الصغيرة. “توفيق” لم يكن مجرد طفل يتيم، بل روح محاصرة بين الصمت والاتهام، قبل أن يجد طريقه إلى الضوء عبر مسرح بسيط وحلم كبير. قصة “خيال الظل” ليست مجرد سرد لمأساة، بل رحلة إنسانية تُثبت أن الفن قادر على أن يرمم القلوب وينزع الخوف من الصدور، وأن كلمة واحدة محمّلة بالحب تستطيع أن تعيد تشكيل مصير.. وإلى نص القصة التي كتبها القاصة عبير حسني.

لم تغفل زوجة أبي أن تغديني بالسم الذعاف، منذ عامين، لا بل منذ مائتي عام …حتى صار لي جسدا من جلد وعظم و…. وسم، نعم “سم” ومنحتني هذا اللقب الملتصق بجسدي النحيل حتى الآن.

الناس يملكون أسماعا وأبصارا، ولكن بأي لسان أطال أسماعهم التي طمسها الكذب، بأي صوت أسلخ عن عيونهم غشاوة تحتاج الى معول وقوة لا أملكها؟

انهدم منزلنا بعد وفاة والدي، وكتب على أن أنصب وجهي نحو الشقاء، لا أبالي لمن طمست بصيرتهم، وتوارت ضمائرهم، اليوم صارت الحروف تتساقط ببئر عجزي.

تقمصت روح أرنب ضعيف، ناعم الصوت، باكيا منتحبا دوما، فقير بلا مأوى، أتحمل نوائب الزمن، ولكن اليتيم” الأخرس” ما ذنبه؟

مسئولة دار الأيتام: لا بأس.
زوجة أبي: تلك كل أوراقه التي في عهدتي، ليس لديه أقارب، وأنا سأسافر الى بلدتي في الصعيد، لم أعد أستطيع تحمل نفقات تربيته.

تم ايداعي دار الأيتام، اعتنت بي الأم البديلة ” ماما سهاد ” جمعتني حجرة الألعاب بأخوتي وكان أقربهم لي “علىّ”.
حاولت تعلم لغة الإشارة، ولكن هناك خطبا ما يعوق تقدمي.
– ماما سهاد: ابني، حاول مرة أخري. من أجل خاطري.
– طبيبة الدار: الطفل يعاني من ضعف شديد، غدا سأخضعه للفحص والتحليل … وجهه لم يلبث أن يتحول للون الأزرق ويعاني صعوبة في التنفس.
– ماما سهاد: مسكين، ليته يستطيع إخبارنا بما يؤلمه.
كانت تمضي الليل برفقتي كلما ازداد مرضي، وكذلك وأخي “علىّ”.
“علىّ” قصير القامة بشدة، لا يعرف سوى أن الدار هي بيته وماما سهاد أمه، عندما يضايقه الأولاد يتلعثم ويبكي، ولكن الجميع يحبونه ويحاولون مداعبته …

علىّ: أعرف اسمك إنه ” توفيق”، لا أحب أن يناديك أحدهم بالأخرس.
أشرت له: أحزن كثيرا عند سماعهم ينادوني بهذا الاسم.
علىّ: سمعت الطبيبة تتحدث الى ماما سهاد بشأنك.
– هل هناك ما يخيف؟
– لا، قالت إنك من المستحيل أن تكون ولدت أخرسا، وأنها ستعمل على اكتشاف سبب ذلك.
– اتمني هذا.
– حاول معي مراجعة الإشارات التي أعطتك اياها ماما سهاد.
– أنا احبك يا على.
– وأنا ايضا يا أخي.

في الليل يطلق سراح الجنيات، في الليل تهجع الطيور الى أعشاشها، في الليل يطفئ الحارس الليلي أنوار الطرقات بالميتم، ويشعل النيران في الحديقة الخارجية ويسهر بصحبة مطربه الشعبي صاحب الصوت الغليظ القادم من أقاصي الصعيد، ويشعل سجائره المحلية الصنع وبيده كوب من الشاي الشديد السواد، يرتشف بصوت عالي وكأنه يسامره في الليل الطويل.

همس “على ”
– توفيق، هل أنت مستيقظ؟
أشرت له، وأنا أجلس بطرف سريري.
– نعم يا ” علي” …ماذا هناك؟
– اريد أن أصحبك معي الى الغابة.
– غابة!
– اتبعني بهدوء، حتى لا تستيقظ المشرفة.
سحب بيده ملاءة السرير واختفى أسفله، تسمرت مكاني فاذا به يطل برأسه ويجذب قدمي الى أسفل السرير لأجد نفسي في غابته السرية.
أشعل مصباحا صغيرا ووضعه جانبا وسحب صندوق كرتوني ليخرج تماثيل صغيرة لحيوانات وطيور، وبدأ يحركها أمام الملاءة وظهرت ظلال عجيبة عليها، حمل أسدا وجعله يطارد غزالا صغيرا، راقبت المطارة وأشباح الظلال تزيد شغفي واندهاشي لقدرته وبراعته على خلق عالم يكاد يكون حقيقي داخل غابته.
تعبنا وداعب النوم جفوننا، فأشرت له برغبتي في العودة الى سريري.

في الصباح جمعتنا حديقة الدار، لم يكن الأستاذ “جمال “مسئول الرعاية الاجتماعية ليرغب الاستماع لشكاوى الأطفال المتكررة؛ حول تنمر البعض وسرقة الألعاب من آخرين، كان منشغلا دائما بمكالماته التليفونية مع مندوب شركة السياحة الذي وعده بالسفر الى احدى الدول العربية، بعيدا عن مهنته التي لم ترق له يوما، ولكنه على الرغم من ذلك يحسن معاملة الأطفال ولا يقسو عليهم.
بعد فترة أنهى الأستاذ ” جمال” مكالمته، وتوجه نحوي هاتفا وهو يبتسم: لن أتخلى عنك أبدا، أشعر أن بداخلك فنان كبير …
ضحك ” علىّ” وقال: هذا حقيقي استاذ جمال، ” توفيق” يجيد التمثيل؛ ليتنا نملك فرقة تمثيل هنا سيدي.
-لا بأس يا “علىّ”؛ سأفكر بهذا الموضوع وما يمكننا أن نفعله.
على الجانب الآخر جلست ماما ” سهاد” تتبادل الحديث مع الطبيبة.
– نتيجة الفحوصات تشير أن عدم قدرة “توفيق “على الكلام، سببها ليس عضويا.
– وماذا تقترحين عزيزتي؟
– لابد أن نعرضه على طبيب أمراض نفسية لنقف على سبب حالته تلك …ويكون تحت اشرافه.
– تدركين جيدا أننا لا نستطيع تحمل نفقات طبيب نفسي، ميزانية الدار محدودة كما تعلمين.
– وماذا عن الإخصائي الاجتماعي ؟، عله يساعدنا بهذا الأمر.
– سأتحدث اليه لأرى ما يستطيع أن يقدمه بهذا الموضوع ‘ والآن …هلا أعطيتني لائحة الأدوية التي سأرسلها الى المتبرعين بشرائها لأطفال الدار.
– تفضلي، ها هي لقد جهزتها في وقت سابق.

دفنت وجهي بقلب الوسادة، سحبني النوم سريعا الى نفق طويل، عندما خرجت منه أصبحت متفرق الأعضاء كدمية مزقها طفل شرير، لم يبق سوى رأسي تلتصق بجسدي النحيل، حاولت لملمت أطرافي بلا جدوى، تكومت بركن مظلم ومر الوقت طويلا، وفجأة رأيته …نعم إنه هو ” علىّ” جمع يدي وقدمي والصقهم بجسدي، ساعدني على النهوض والخروج من النفق.

رنين جرس الصباح، يدعونا للاستيقاظ، حاولت أن أمسك ببقايا عقلي وروحي التي كادت أن تغادر جسدي، أمسكت ذراعي رفعتها لأفرك بها عيني التى لم تغادر وجهي بعد، تحركت ببطيء لأتأكد من التصادق قدمي بجسدي، ابتسمت وأنا أقترب من “علىّ” لأحثه على النهوض، ما زال حلم الأمس يرعبني ويشعرني بالخوف.

في المساء جمعتنا شاشة التلفاز، وقدمت لنا مسئولة الدار بعض الحلوى، لم يكن العالم فى الخارج ليشعر بضحكات الأطفال، ومخاوف البعض الأخر مما تخبئه لنا الأيام.
طلب الأستاذ “جمال” حضوري الى مكتبه، جلست أمامه انتظر معرفة سبب استدعائي، لم يطل من حيرتي، حيث مد يده بكتاب وقال: أعلم أنك تستطيع القراءة، عندما تنتهي من قراءته، أخبرني ماذا فهمت منه.
غادرت مكتبه الى الحديقة، وانهمكت بقراءة الكتاب والغريب أنه يحكي قصة فتي صغير يعمل في مسرح مدينة بعيدة، لم يكن يجيد القراءة والكتابة، وكيف انتهى به الأمر ليصبح ممثلا مشهورا.

بعد تناول الغذاء، جمعتنا ماما سهاد في الصالة الكبيرة للدار، وأعلنت عن مفاجأة؛ تبادلت النظرات المتسائلة مع “علىّ”، جاء صوت الأستاذ جمال من جهة الباب هاتفا: من فضلك سيدتي، لا تعلني عن المفاجأة الآن.
– ولماذا ليس الآن استاذ جمال!
– أود التصريح بأمر ما أولا، إن سمحتي لي.
– بكل سرور، تفضل.
– أشكرك سيدتي الفاضلة.
تقدم أستاذ جمال ليقف مواجها لنا؛ وقال:
– لقد قدمت عشرين كتابا لعشرين طفلا من الدار؛ وبعد أسبوع سألت كلا منهم عما استقاده مما قرأه، الجميع بذل جهدا، لكن أكثر من نال إعجابي كان “توفيق” لقد تواصل بالأسئلة معي عن كافة تفاصيل كتابه؛ وكان متحمسا جدا للحصول على كتاب جديد … والآن يسعدني أن أقدم الهدايا للجميع وأختص ” توفيق” بدعوة الى مسرح المدينة بنهاية الأسبوع حيث تعرض مسرحية من الأدب العالمي.
ارتفع التصفيق، ونالت السعادة من قلوب الأطفال لحصولهم على الهدايا.
وتقدمت ماما سهاد، وهي تطلب منا الهدوء حتى نستمع الى المفاجأة الجديدة.
وكتم الجميع أنفاسه ترقبا للحدث القادم …
– الإدارة وافقت على تجهيز القاعة الكبيرة لتكون مسرح يليق بأطفالي … موعدنا أول الشهر القادم لنكون قد انتهينا من إعداد مسرحية تكون بداية انطلاقتها.
هتف الجميع: تحيا ماما سهاد، تحيا …تحيا.

تأنق الجميع، واستعدوا لاستقبال إشارة البدء، وكان عم “خليل” حارس الدار هو المسئول عن إطلاقها … خلف ستارة المسرح جلس الجمهور الى مقاعدهم ‘ متلهفين إشارة فتح الستار والتي تموجت ببطيء؛ وأخيرا كشف الستار عن حطاب فقير يسير في الغابة، يغني وكان هذا دور “علىّ”، ثم يعثر على جرة قديمة و….

نال جميع المشاركين في العرض إعجاب الحاضرين وتعالى تصفيق الجمهور، ثم استدل الستار لنستعد للفصل الأخير من العرض وهنا يكون دوري، فتح عم “خليل” الستار مرة أخرى، وسلط بقعة ضوء وحيدة علىّ حيث أديت دوري بلغة الإشارة لأصف كيف أصبح الحطاب ملكا للمدينة عندما أحسن معاملة الفقراء ومنحهم الذهب الذي عثر عليه وانهال التصفيق عقب إنهاء دوري فانحنيت أمام الجمهور وحركت يدي نحو رأسي محيي إياهم كما يفعل أي ممثل محترف، فدفعهم ذلك الى تكرار تصفيقهم لي
، بعدها توالى ظهور الجميع على المسرح لتحية الجمهور، يتلقون عبارات الاستحسان على ما بذلوه من جهد.

وأسدل الستار ليتنفس الجميع الصعداء؛ لنجاح العرض الأول.

تلقينا التهنئة من جميع موظفي الدار وعلى رأسهم مديرة الدار وماما سهاد،
طعم النجاح الأول يشعرني بالانتصار؛ نعم الانتصار على الخوف والفشل.

لم يكد يمض وقت قصير حتى كنت أتدرب بصحبة أخي “علىّ” لنقدم عرض خيال الظل بصحبة مجموعة تماثيل صنعناها من الخشب والكرتون لنصبح بذلك من نجوم المسرح.

لا شيء يوقف سريان نهر الأيام؛ النهار سوف يأتي بصحبة الشمس، والزهور تنمو على حافة النهر؛ المساء يأتي بموكب تحرسه النجوم المتلألئة، أيامنا في الدار تمضي أيضا؛ لم يبخل الأستاذ (جمال) بجهده واستمر في محاولته لأنطق ببعض الحروف والتي انسابت لتكون جملا، وإن خرجت بصعوبة، ولم يكن يفهمني سوى أصدقائي المقربين، وأضحت لغة الإشارة لغتي التي أصبحت أتقنها وأجيديها.

لم أفترق يوما عن (على) حتى التحقنا سويا بإحدى مدارس التعليم المتوسط؛ وبعدها كان مشروعنا بل حلمنا الكبير الذي طالما حلمنا به ….

– توفيق، أحمل لك مفاجأة كبيرة.
– خيرا يا على، ترى ما هي؟
– سوف نستأجر مسرحا، لنقدم عليه أعمالنا فنحن لدينا موهبة قديمة. هل تذكر؟
– ولكن …
– ماذا؟
– أنا أتحدث بصعوبة، فمن سيأتي ليشاهد ممثلا يكاد يكون أخرس…
– لا تكمل يا توفيق أرجوك؛ فأنت تملك موهبة كبيرة منذ الصغر وسيكون لك شأن عظيم في يوم من الأيام.
– أنت صديقي وأخي، وتبالغ في تقديري.
– صدقني يا توفيق، معا سنحقق النجاح الذي طالما حلمنا به منذ صغرنا … والآن هيا بنا
– الي أين؟
– الى مسرحنا أيها الفنان الكبير.
لم يكن مسرحا كبيرا بالشكل المتعارف عليه، بل مجرد مبنى قديم بأحد الأحياء الشعبية، لكنه يتناسب وامكانياتنا المتواضعة.
– سيساعدنا بأعمال الدهان والديكور زملائنا القدامى بالدار …فقد تبرعوا بذلك عن طيب خاطر.
– إنهم نعم الأخوة يا علىّ. إذن فلنبدأ العمل.
– لم أشك يوما بتمسكك بحلمك الكبير يا توفيق. على بركة الله يا أخي.

كان في انتظارنا صحفي شاب ومصورا بإحدى الصحف القومية …لتغطية هذا الحدث الجديد …عقب إسدال ستار مسرحيتنا الجديدة، انهالت علينا عبارات الاستحسان وباقات الورود، تفردنا بعروض تجمع ما بين لغة الإشارة والفن الناطق، في نسق جديد جعلنا في طليعة المبدعين.

الطرق المؤدية إلى المسرح مزدحمة كعادتها دائما، ولكن هذا لم يمنع “ماما سهاد” يوما من الحضور لمشاركتنا نجاحنا وثمرة حنانها طوال تلك السنوات الماضية …أم صالحة أثمرت تربيتها ورعايتها لنا …حتى الفن قد يولد يتيم الا أن تعثر عليه اليد الحانية التي تجذبه الى عالم النور.
“بالنهاية يكفي أن يحبك قلب واحد لتعيش”.
كانت تلك العبارة الأخيرة في العرض الذي تم ترشيحه لمسابقة المسرح الدولية.

اقرأ ايضا:

عبير حسني تكتب شعر شاطىء المحار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى